الحدث الأخطر في تاريخ الإسلام
حينما قرر المسلمون وضع تاريخ خاص بهم يؤرخون به للأحداث، لم يجدوا أبلغ ولا أهم من حدث هجرة النبى، صلى الله عليه وسلم، من مكة إلى المدينة ليشيروا به إلى الأحداث، فقد كتب حدث الهجرة البداية الأخطر لتاريخ الإسلام، وبالتالى كان من الطبيعى أن تُنسب كل الأحداث التى شهدتها أمة الإسلام بعد ذلك إليه، فكان يقال إن هذا الحدث وقع بعد 10 أو 15 سنة من هجرة النبى، وبعد تحديد سنة الهجرة كسنة أساس يتم التأريخ فى ضوئها، فكَّر المسلمون فى الشهر الذى يبدأون به السنة، اقترح بعضهم شهر رمضان، لكن بعد تفكير استقروا على شهر المحرم، لأن «المحرم» هو منصرف الناس من حجهم وهو شهر حرام، فأجمعوا عليه.
وقد كان عمر بن الخطاب أول من أرَّخ بالهجرة، وكان ذلك سنة 17 أو 18 من هجرة النبى.
كان من الطبيعى أن يكون حدث الهجرة الحدث المبتدَأ فى تاريخ الأمة، ويخطئ من يظن أن هذا الحدث من الأحداث المتأخرة فى تاريخ الرسالة، فلو أنك تتبعت جذور فكرة الهجرة فى تاريخ أنبياء الله، فسوف تجدها ممتدة بجذورها إلى «إبراهيم»، خليل الرحمن عليه السلام، ما يعنى أن هذا الخط يعد أحد الخطوط التى تصل بين الإسلام والحنيفية الإبراهيمية.
فقد أجمع «إبراهيم» والذين آمنوا معه على فراق قومهم، فخرج النبى مهاجراً، حيث قدم مصر وبها فرعون من الفراعنة الأوائل، وبعد أن طمع فرعون فى زوجته «سارة»، هاجر بها إلى الشام، وعقب ولادة «إسماعيل»، سار به نبى الله إبراهيم وأمه هاجر إلى الأرض المباركة بجزيرة العرب.
يقول الله تعالى: (رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ).
كان ذلك دعاء نبى الله إبراهيم، وامتد خط الدعاء منه إلى نبى الإسلام الذى وجَّه المؤمنين برسالته إلى قصد البيت الحرام والحج إليه، ليتحول البيت العتيق إلى مكان يحمل رمزية خاصة على شد الرحال وترك الأرض عدواً وراء الإيمان، فهو أول البيوت التى يشدُّ إليها المؤمن رحاله، ثم مسجد الرسول المسجد الأقصى، قال صلى الله عليه وسلم: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، والمسجد الأقصى».
الهجرة تيمة أساسية من تيمات الإسلام، وقد أصبح الحج إلى بيت الله الحرام الحامل الموضوعى الأكبر لها، فمن خلاله يُحيى المؤمن تلك التيمة أو الفكرة الإيمانية الأساسية المتمثلة فى الهجرة، تلك الفكرة التى خطَّ رحلتها الأولى نبى الله إبراهيم، واستكمل مشوارها نبى الإسلام، محمد صلى الله عليه وسلم، حين سار على الأرض الواصلة بين مكة والمدينة، تلك الأرض التى يسير عليها حجاج بيت الله وزائرو القبر الشريف، قبر محمد، صلى الله عليه وسلم.