للذكرى وللذاكرة السياسية (9).. الأسباب الحقيقية لانقلاب الإخوان على «السادات»!
بين عهد واحد ورئيسين عاش الإخوان الفترة الصعبة المضطربة بين عامى 1980 و1984، الإصدارات الصحفية «على سبيل المثال» عادت للصدور، حتى دون ترخيص قانونى أو رسمى، لتبقى تحت «السيطرة» طوال الوقت، وهذه الإصدارات هى مجلات «الدعوة والاعتصام والمختار الإسلامى»، لكنها اجتمعت على التحول من الهدف الذى أُطلقت من أجله وهو تشويه فترة الستينات ومعه تشويه العلاقة مع الاتحاد السوڤيتى ومواجهة الأفكار الاشتراكية والترويج لمفاهيم جديدة تحت شعار عريض وقتها هو «العلم والإيمان»، وكأن مصر خلت فى العهد السابق منهما «العلم والإيمان»!
نقول: انتقلت الإصدارات الثلاثة من الالتزام بالاتفاق الشفهى الضمنى غير المكتوب فى القضايا المسموح بتناولها إلى معارضة الرئيس السادات نفسه والاختلاف مع سياساته، ولم يتوقف الأمر عند المجلات المذكورة، بل انتقل الأمر إلى خطباء المساجد وتقدمهم الشيخ عبدالحميد كشك فى كوبرى القبة والشيخ أحمد المحلاوى بالإسكندرية، وانفجر الموقف بين السلطة والإخوان وانفض التحالف لأسباب فى اعتقادنا متعددة.
كان دعم الجماعة للثورة الإيرانية مستفزاً للرئيس السادات، ليس فقط لأنها أطاحت بصديقه الشاه وإنما لسبب موضوعى آخر وهو التبشير بثورة الإسلاميين فى مصر.. وعندما تؤيدها جماعة الإخوان تكون الجماعة انتقلت إلى دائرة التطلعات التى أعادت من جديد أحلامها فى السلطة، ومع تعدد التنظيمات الدينية وانشطارها إلى جماعات عديدة بات الأمر مقلقاً ومزعجاً، فقد تصور كل أمير جماعة بل والمرشد نفسه أنه «خومينى مصر» القادم.
ولم يتوقف استفزاز الإخوان عند ذلك، بل عارضوا بشدة معاهدة السلام مع العدو الإسرائيلى! بالطبع ليس لأنهم فى حقيقة الأمر ضد العدو، فالراعى لهم وللكيان الصهيونى -فى تقديرنا- واحد وهو الولايات المتحدة الأمريكية التى كان من الصعب على الجماعة وهى تحشد رجالها بدعاوى الجهاد ووظفت نكسة 1967 للانتقام من جمال عبدالناصر فى سنوات ما بعد الإفراج عنهم وقبل توقيع معاهدة كامب ديڤيد، كان من الصعب عليها أن تدعم فجأة الصلح مع «اليهود»، وهذه هى الحقيقة التى لم تستوعبها السلطة وقتها أنه جاء أوان أن تلعب الجماعة لمصلحتها، أن تبحث عن مصالحها كالعادة؛ فهى لا تذوب فى كيانات أخرى، وتحالفاتها كلها مؤقتة حتى لو كانت مع السلطة، كما أن التزاماتها وعهودها كلها براجماتية نفعية لا قيم فيها، وأن الوصول للسلطة هدفها الدائم.. ولذلك كان فى كل الأحوال سيأتى يوم ويحدث هذا الذى جرى!
ومع الأزمات المعيشية التى هزت الشارع المصرى بقوة خلال تلك السنوات، بلغت ذروتها فى انتفاضة يناير 1977، التى طالت مصر كلها وأسفرت عن مئات الضحايا والمعتقلين، ومع تطلعات جماعة قررت أن تطرح نفسها على الناس وتنتقل من مربع «التابع» أو حتى «الحليف للسلطة» إلى مربع «البديل للسلطة»، لذا كان طبيعياً أن يطول هجوم الإخوان الانفتاح وبعض صور الفساد والبذخ ونفوذ بعض المقربين من النظام، وهى مساحات كان من الصعب أن تقبل السلطة وقتها بها. ومن هنا حدث الانفجار الكبير، وحدث الصدام بين الرئيس السادات والإخوان.
انتهى شهر العسل وأصبحت المواجهة حتمية وقد كان.
وللحديث بقية..