«حكم الإخوان».. مشروع إقصائى يستتر خلف قناع الدولة المدنية

كتب: مريم شريف

 «حكم الإخوان».. مشروع إقصائى يستتر خلف قناع الدولة المدنية

«حكم الإخوان».. مشروع إقصائى يستتر خلف قناع الدولة المدنية

365 يوماً فقط كانت كافية ليكتشف الشعب المصرى حقيقة «المشروع الإخوانى الطائفى»، الذى جاء فى «ثياب مدنية»، لكنه أخفى داخله ملامح دولة دينية مغلقة على «جماعة واحدة»، تتعامل مع السلطة باعتبارها «غنيمة»، ومع الوطن باعتباره «إقطاعية»، فعقب الإعلان عن فوز «مرشح الجماعة»، محمد مرسى، فى الانتخابات الرئاسية عام 2012، حاول «تنظيم الإخوان» إقناع الداخل والخارج بأن الجماعة فى مصر دخلت طور «المشاركة» لا «المغالبة»، وبأنها ستمارس الحكم وفق قواعد الدولة المدنية الديمقراطية، لكن الوقائع المتتالية كشفت سريعاً أن ما حدث لم يكن سوى عملية «ستار سياسى» لتجميل «مشروع طائفى إقصائى»، بدأ بـ«إعلان دستورى فوقى» يمنح الرئيس سلطات مطلقة، وانتهى بمحاولات اختراق مؤسسات الدولة، وتهميش فئات المجتمع المختلفة.

شهدت فترة حكم الإخوان نظرة بعين الريبة والشك لكل من يختلف مع التنظيم، وبرز خطاب طائفى تحريضى تجاه المسيحيين والمعارضين بمختلف أيديولوجياتهم السياسية، وصل إلى ذروته فى التحريض العلنى فى خطاباتهم ولقاءاتهم المختلفة، وسرعان ما سقطت «ورقة التوت»، عندما خرج الشعب بالملايين، فى 30 يونيو 2013، ليعلن رفضه لحكم لم يرَ فيه تمثيلاً للوطن، بل كان مشروعاً طائفياً لفئة تستتر خلف شعارات دينية، بهدف الوصول إلى أغراضهم، التى لا علاقة لها بالدين بأى صلة، فكان السقوط المدوى لحكم الجماعة فى 365 يوماً فقط.

حول الأسباب التى دفعت الشعب المصرى إلى الانتفاض للتخلص من «حكم الإخوان»، قال طارق الخولى، وكيل لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب عن تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين، إن الشعب المصرى انتفض ضد حكم جماعة الإخوان؛ لأنه شعر أن هناك مساساً بأمرين يمتدان فى جذور الشعب من جيل إلى جيل؛ أولاً فيما يتعلق بالهوية المصرية، ومحاولات طمس هذه الهوية وتغييرها لصالح هوية الجماعة، وأضاف «الخولى»، فى تصريحات لـ«الوطن»، أن الأمر الثانى الذى دفع المصريين إلى الانتفاض هو المساس بوحدة كيان الدولة المصرية، موضحاً أن ما جرى هو أن مختلف القوى السياسية والتيارات بادرت أولاً، ثم تبعها إجماع شعبى ضخم، تمت ترجمته بمشاركة ملايين المصريين فى ثورة 30 يونيو، وتابع: «لولا انتفاضة المصريين وانحياز القوات المسلحة لإرادتهم، لما استطعنا الحفاظ على مصر، وكانت جماعة الإخوان ستجر الدولة إلى نفق مظلم من الصراعات، والاقتتال الداخلى، وطمس الهوية المصرية».

كما أشار وكيل لجنة العلاقات الخارجية إلى أن «رفض المصريين لحكم جماعة الإخوان ينبع من كشف نفاق الجماعة»، مؤكداً أن قياداتها ارتدوا أقنعة مصطنعة، واستخدموا الدين لتحقيق مكاسب سياسية، رغم أنهم لا يتوانون عن ارتكاب كل ما حرّمه الدين من أجل السيطرة والحكم، وأوضح أن الخلاف مع جماعة الإخوان ليس خلافاً سياسياً، كما يحاول البعض تصويره أو الترويج له فى دعوات المصالحة «المشبوهة»، وإنما هو خلاف حول الوطن ذاته، مشدداً على أن الجماعة لا تؤمن بفكرة الوطن، ولا بالحفاظ على الهوية المصرية، بل تضع الجماعة فوق الوطن، وهو ما خلق قلقاً حقيقياً لدى المصريين على مستقبل دولتهم.

ولفت «الخولى» إلى أن التصريحات الصادمة، التى سبقت ثورة 30 يونيو، عن البقاء فى الحكم لعشرات أو حتى مئات السنين، ثم التهديد بإحراق مصر بعدها، وما شهدته البلاد من عمليات عنف واغتيالات طالت عدداً من المسئولين فى العديد من القطاعات، إلى جانب التضحيات التى قدّمها أبناء الشعب، من مدنيين وجيش وشرطة، فى مواجهة «إرهاب الجماعة»، كل ذلك أسهم فى تعميق رفض الشعب لحكم الإخوان، واختتم النائب البرلمانى تصريحاته بالتأكيد على أن «ثورة 30 يونيو ستبقى مسطَّرة بحروف من نور فى تاريخ مصر، كواحدة من أعظم الثورات التى حافظت على الهوية المصرية، وصانت الدولة ومستقبلها لعشرات بل لمئات السنين».

من جانبه، قال عبدالناصر قنديل، الأمين العام المساعد لحزب التجمع، خبير النظم والتشريعات البرلمانية، إن المصريين أظهروا قدراً عالياً من الوعى والذكاء منذ الأيام الأولى لحكم جماعة الإخوان، إذ بدأوا فى رصد مؤشرات الاستحواذ والإقصاء، بعد أقل من شهر من تولى الجماعة للسلطة، وأضاف، فى تصريحات لـ«الوطن»، أن حالة من الغضب الشديد سادت بين قطاعات واسعة من الجهاز الإدارى للدولة، بعدما لاحظوا أن تعيينات المناصب القيادية لا تجرى على أساس الكفاءة أو الخبرة، بل بناءً على الانتماء للجماعة فقط، مشيراً إلى أنه جرى تعيين أحد معلمى المرحلة الابتدائية، لا يحمل مؤهلاً عالياً، رئيساً لحى «باب الشعرية»، فقط لأنه ينتمى للإخوان.

وأوضح «قنديل» أن الغضب الشعبى تزايد حينما قرر أحد قيادات الجماعة، بعد توليه منصب المحافظ، ارتداء الجلباب خلال زيارته للمستشفيات العامة، فى مشهد وصفه المصريون بـ«الاستهتار»، ما أسهم فى انتشار مصطلح «الأخونة» بشكل واسع، وتابع أن وعى المصريين تجسد فى العديد من المظاهر، من بينها تفاعلهم مع «مشروع النهضة»، الذى أعلنت عنه الجماعة، مشيراً إلى أن بعض مذيعى نشرات الأخبار بدأوا نشرتهم بكلمات مثل «النشرة الإخوانية»، فى دلالة ساخرة على ما وصل إليه الوضع الإعلامى وقتها، مشيراً إلى أن الساحة الفنية لم تكن بعيدة عن هذا التفاعل، إذ خرجت أغنيتان شعبيتان تنتقدان مشروع النهضة، و«برنامج المائة يوم»، بذكاء وسخرية، معبرتين عن الوعى الجماهيرى الواسع تجاه فشل الجماعة فى تنفيذ وعودها.

وأشار القيادى فى حزب التجمع إلى أن أول مظاهرة رافضة لحكم الإخوان خرجت يوم 24 أغسطس، أى بعد شهرين فقط من تولى محمد مرسى الرئاسة، ورفعت شعار «إسقاط حكم المرشد»، ورغم تعرض المظاهرة لهجوم عنيف من أنصار الجماعة، فإن المصريين أصروا على مواصلة التظاهر، وكانت تلك بداية بذور «التمرد» الحقيقى على حكم الإخوان، واعتبر أن الإعلان الدستورى، الذى أصدره «مرسى» لاحقاً، والذى حصّن فيه قراراته من الطعن أو الإلغاء، كشف عن نوايا الجماعة فى الوصول إلى «حالة مطلقة من الهيمنة»، مؤكداً أن ذلك الإعلان كان من أبرز أسباب تأسيس «جبهة الإنقاذ»، التى ضمت قوى مدنية متعددة، ترفض محاولات «أخونة الدولة».

ولفت «قنديل» إلى أن المصريين تصدّوا لمحاولات السيطرة على مؤسسات الدولة، حيث قادت القوى المدنية عدداً من الاحتجاجات والاعتصامات، أبرزها اعتصام وزارة الثقافة، وواقعة شهيرة فى المنوفية، حينما جرى إدخال «خروف» إلى مبنى المحافظة، فى إشارة رمزية إلى رفض المحافظ الإخوانى، وأضاف أن الجماعة حاولت فرض رموزها فى المشهد الثقافى والسياسى، باستخدام ما وصفه بـ«المكياج المدنى لدولة طائفية»، لكن المصريين رفضوا هذا التسلل، سواء عبر التظاهرات أو الاعتصامات، وأظهروا موقفاً واضحاً من محاولات تغيير هوية الدولة، وأكد أن فكرة تصعيد أشخاص إلى مواقع قيادية، لمجرد انتمائهم إلى جماعة طائفية أو عرقية، تتناقض مع «مبدأ المواطنة»، الذى قامت عليه الدولة المصرية منذ آلاف السنين.

من جانبه، قال أحمد بان، الباحث المتخصص فى شئون جماعات الإسلام السياسى، إن جماعة الإخوان فقدت ثقة المجتمع المصرى تماماً، بسبب «الحالة التنظيمية الجامدة» التى ظهرت بوضوح عندما سيطروا على الحكم، ما جعلهم مرفوضين أمام مؤسسات الدولة والمجتمع، مشيراً إلى أن الجماعة ما زالت تحاول التحول من تلك «الحالة الصلبة» إلى «السائلة»، ليذوبوا فى المجتمع، فى انتظار «فرصة جديدة»، واعتبر أن هذه الاستراتيجية قائمة على «التخفى والتغلغل» بدلاً من المواجهة المباشرة، لأنهم يدركون أن أى ظهور علنى جديد سيواجه برفض شعبى واسع.


مواضيع متعلقة