«الاحتلال» يبدأ تفريغ الحى الفلسطينى من المقدسيين بـ«قوانين مجحفة»: التراخيص مستحيلة والهدم لا ينتظر أحدا
«الاحتلال» يبدأ تفريغ الحى الفلسطينى من المقدسيين بـ«قوانين مجحفة»: التراخيص مستحيلة والهدم لا ينتظر أحدا
تحقيق: محمد علي حسن وماريان سعيد
فى قلب القدس القديمة، تدور معركة غير متكافئة بين من يرابطون فى منازلهم كأنهم فى خندق قتال، وبين مؤسسات احتلال تكتب قراراتها بلغة القانون، وتنفذها بجرافات لا تعرف الرحمة، فى بلدة «سلوان» لا يكفى أن تكون مالكاً لعقار، ولا أن تسكن بيتاً ورثته عن آبائك، ما لم تنل ختم «الترخيص» الإسرائيلى، ذاك الختم الذى يكاد يكون مستحيلاً، حتى إذا ناضلت بين أوراق المحاكم، وتعديلات القوانين، ليفصل الاحتلال بقوانينه مأساة تهجير قسرى، مختلفة عن تلك التى يحيكها فى المدن الفلسطينية الأخرى، وهو التهجير المدعوم بـ«قوانين مجحفة»، لتفريغ «سلوان» من أهلها، يحكى عمر سومرى، محامى أهالى سلوان، كيف تحوّل القانون إلى «أداة طرد ممنهجة»، يستحيل معها حماية بيت، أو حتى غرفة صغيرة أضيفت لاحتضان طفل جديد، فلا يُحاسَب الاحتلال على هدم بيت مأهول، بل يُحاسَب المقدسى على بنائه، وتُلقى عليه فواتير الغرامات، وأعباء «الهدم الذاتى»، فى حلقة قانونية مغلقة لا مفر منها.
يوضح «سومرى»، فى حديثه لـ«الوطن»، أن بلدة سلوان، الواقعة فى القدس الشرقية، واحدة من أكثر المناطق اكتظاظاً بالسكان، وتعانى من بنية تحتية شديدة الضعف، هذا الوضع المتردى لا يقتصر على الجوانب المعيشية فقط، بل يتفاقم بفعل الموقع الجغرافى الحساس للبلدة، حيث تقع بالقرب من البلدة القديمة، وتحديداً ناحية «باب المغاربة»، المؤدى إلى المسجد الأقصى، ويُضاف إلى ذلك أن الاحتلال الإسرائيلى يولى اهتماماً خاصاً بحى «البستان» داخل سلوان، حيث يدعى المستوطنون اليهود، لا سيما المتدينون منهم، أن هذا الحى كان بستاناً للملك سليمان، وابنه داوود، وأن هناك نفقاً يربط بينه وبين ما يُسمى «جبل الهيكل»، فى إشارة إلى المسجد الأقصى، مما يجعل سلوان هدفاً مباشراً للمخططات التهويدية والاستيطانية.
ويشرح محامى أهالى سلوان تاريخ محاولات الاحتلال الإسرائيلى لإفراغ الحى من سكانه، إذ يتزامن مع تاريخ احتلاله للقدس الشرقية عام 1967، ومنذ اليوم الأول، شرعت سلطات الاحتلال فى فرض القوانين الإسرائيلية على المنطقة، بعد أن كانت خاضعة سابقاً للقوانين الأردنية، ومع ذلك فى السنوات الأولى للاحتلال، لم تكن هناك حاجة ملحة لتطبيق هذه السياسات بشكل واسع، نظراً لأن نسبة المستوطنين كانت قليلة، والمبانى فى حالة جيدة، وعدد السكان الفلسطينيين منخفض نسبياً، غير أن الزيادة الطبيعية فى أعداد الفلسطينيين، واحتياجهم إلى التوسع العمرانى وترميم المنازل، دفعت الاحتلال إلى تفعيل «قانون التخطيط والبناء الإسرائيلى»، الذى يُعتبر قانوناً مدنياً وجنائياً، ينظم عمليات التنظيم والبناء فى المناطق الخاضعة لسلطة الاحتلال عموماً.
وفى عام 2017، تم تعديل ذلك القانون، مما يجعله من أشد القوانين المجحفة بحق الفلسطينيين، خاصة فى القدس الشرقية، بما فيها سلوان، إذ أصبحت أى إضافة أو ترميم، أو حتى بناء ملحق صغير، خاضعة لهذا القانون، وتُصنف كـ«مخالفة جنائية»، مما يعرض السكان للملاحقة القانونية، وتُفرض عليهم غرامات مالية باهظة، تصل إلى 1000 أو 1200 «شيكل» عن كل متر مربع، بالإضافة إلى تحمل تكلفة تنفيذ أوامر الهدم خلال فترات زمنية قصيرة جداً، لا تتيح للسكان فرصة لاستصدار التراخيص، التى غالباً ما تكون «شبه مستحيلة».
وتُشير بيانات «المركز العربى للتخطيط البديل» إلى أن نحو 130 ألف منزل عربى فى القدس مهدد بالهدم، منها نحو 14 ألف مبنى غير منظم، ويُقدر عدد الوحدات السكنية غير المرخصة بنحو 29 ألف وحدة، من بينها 15 ألف مبنى خفيف، كالسقائف الزراعية، وورش تصليح السيارات، كما تُصنف أغلب أراضى سلوان، وفقاً لقانون التخطيط الإسرائيلى، على أنها «أراضٍ خضراء»، أو «أراضٍ عامة»، رغم أن الواقع يُظهر أنها مأهولة بالبناء والسكان، فإن بلدية الاحتلال تحتكر صلاحيات التصنيف، ما يسمح لها برفض طلبات الترخيص، بحجة أن هذه الأراضى مخصصة لحدائق عامة.
أمام كل هذه القيود القانونية المجحفة، لجأ سكان سلوان إلى المحاكم الإسرائيلية، بما فيها المحكمة العليا، لمحاولة تغيير التصنيف، أو الحصول على تراخيص، ولكن الغالبية فشلت فى ذلك، رغم تكبدهم نفقات طائلة على المحامين والمهندسين، وأضاف «سومرى» قائلاً: «نحن نعمل ونجتهد، ونبذل قصارى جهدنا فى تنظيم الأوضاع العمرانية، ونطلب فقط فرصة، مهلة زمنية تمتد لبضعة أشهر، لعلنا ننجح فى استصدار تراخيص رسمية، لكن حتى حين ننجح فى انتزاع أوامر تأجيل مؤقتة لقرارات الهدم، تقوم بلدية الاحتلال لاحقاً بوقف أى عمليات تنظيم عمرانى، مما يؤدى إلى تجميد كل الإجراءات بشكل عملى وكامل»، مشيراً إلى أن المحاكم الإسرائيلية توقفت مؤخراً عن إصدار أى تجميد أو تأجيلات لأوامر الهدم، وأصبحت هذه الأوامر سارية المفعول فور صدورها، دون أى فرصة قانونية لوقفها أو تجميدها.
ويُضيف: «عندما يتلقى صاحب المنزل إشعاراً بالهدم، يُمنح مهلة أسبوع إلى ثلاثة أسابيع فقط لتنفيذ الأمر، وإذا لم ينفذ الهدم بنفسه، تُعلق البلدية على باب منزله إنذاراً يُمهله عشرة أيام أو 21 يوماً كحد أقصى، وإن لم يُنفّذ الهدم الذاتى، تُرسل قوات الاحتلال معززة بالشرطة والجرافات، لتنفيذ عملية الهدم قسراً، دون اعتبار لسكان المنزل أو ممتلكاتهم، ليس هذا فحسب، بل تُطالب البلدية صاحب العقار بتكاليف الهدم، التى تشمل أجور الشرطة وسائقى الجرافات وتكاليف المعدات، وقد تصل إلى 50 أو 60 أو حتى 70 ألف شيكل، أى ما يتراوح بين 10 آلاف و20 ألف دولار، يتم إجبار صاحب المنزل على دفعها، تحت طائلة الملاحقة القضائية، رغم أنه فقد منزله للتو، ويقول المحامى فى هذا الصدد: «نحن لا نطلب المستحيل، بل نطالب فقط بالعدالة والإنصاف، هل يُعقل أن يُهدم بيت فقط لأن صاحبه لم يحصل على ترخيص، بينما البلدية هى ذاتها من ترفض منحه الترخيص؟»، ويضيف موضحاً: «نُقدم الخرائط والدراسات والوثائق، ونفى بالتزاماتنا، ومع ذلك يُرفض الطلب، هناك منازل قائمة منذ عشرات السنين، وبعضها مقام على أراضٍ موروثة أباً عن جد، ومع ذلك تُهدم وكأنها بنيت بالأمس، دون مراعاة لأى بُعد إنسانى أو اجتماعى».
ويُتابع: «عندما يُقرر الاحتلال تنفيذ الهدم، لا ينظر إلى الأطفال، ولا إلى المرضى، ولا إلى عدد أفراد العائلة، تُساق العائلة بأكملها إلى الشارع خلال دقائق، فى بعض الحالات، يُجبر رب الأسرة على مساعدة طواقم البلدية فى إخراج الأثاث، أو حتى تكسير أجزاء من منزله بنفسه، ورغم كل ما نقدمه من التماسات، تُرفض، بدعوى أن المنطقة غير معتمدة للتخطيط، أو أن الخرائط غير مكتملة، أو أن هناك اعتراضاً من البلدية»، ويستطرد «سومرى» بقوله: «ما يجرى فى سلوان هو جزء من سياسة عامة فى القدس، وليس حالة فردية، أحياء مثل البستان ووادى حلوة وعين اللوزة وبطن الهوى تُعد من أخطر الملفات، فالمؤسسة الإسرائيلية تتعامل معها كعقبات فى طريق مشروع تهويدى ضخم، فى حى البستان وحده هناك نحو 88 منزلاً مهدداً بالهدم، بهدف تحويل المنطقة إلى ما يسمى (حديقة الملك داوود)، وتُرفض كافة المخططات التنظيمية المقدمة من السكان، دون مبرر قانونى واضح».
وفى حى «بطن الهوى» يزداد الخطر بفعل الجمعيات الاستيطانية مثل «عطيرت كوهانيم»، التى تستخدم وثائق عثمانية مزوّرة أو مؤوّلة، للادعاء بملكية أراضٍ عاش عليها الفلسطينيون منذ عقود، وتطالب بإخلاء عشرات العائلات، متابعاً: «حتى لو أثبت الفلسطينى ملكيته للأرض، فلا حماية قانونية حقيقية له، لأن القضاء الإسرائيلى نفسه جزء من المنظومة، إذ يكفى أن يتأخر فى تقديم مستند أو لا يحمل ورقة باسم جده، ليصدر الحكم الفورى بالإخلاء والهدم».
ويختتم بالقول: «الوضع مأساوى، نحن كمحامين نعمل بأقصى طاقتنا، لكننا نصطدم بجدار قانونى وسياسى وإدارى صلب، نحاول كسب الوقت، نوثق، نرفع الصوت، نناشد المجتمع الدولى، لكن الهجمة شديدة، نرفع أحياناً التماسات باسم خمسين عائلة دفعة واحدة، لإثبات أن القضية جماعية، لكن المحكمة تعتبر ذلك عقبة فى وجه القانون، ما نواجهه هو منظومة متكاملة من الطرد والهدم والتهجير، تستهدف الوجود الفلسطينى كله فى القدس، وليس مجرد بيت أو حى، ولا خيار لنا سوى الصمود، والدفاع عن كل بيت وكل إنسان، حتى آخر لحظة».