سامح فايز يكتب: الدراما والحرب المشتعلة
تعددت الدروس المستفادة من الحرب الإيرانية الإسرائيلية، أهمها ذلك الدور المحورى والمهم لمعركة العقول والتلاعب بها عن طريق الميديا ومنصات التواصل الاجتماعى. أبرز تلك المواجهات ما ظهر فى المسلسل الإسرائيلى «طهران» وعودته للواجهة بعد خمس سنوات من عرضه فى 2020، فالمسلسل أشبه بالدراما الوثائقية التى تناولت قبل سنوات ما حدث بالفعل اليوم من مواجهات بين أطراف الصراع، وكيف استطاعت عميلة للموساد اختراق الداخل الإيرانى وتقمص شخصية فتاة إيرانية تعمل فى شركة الكهرباء ومحاولات العميلة المعروفة باسم «تمار» تعطيل المشروع النووى الإيرانى.
«تمار» استطاعت تنفيذ اختراق سيبرانى للمؤسسات الإيرانية، فى محاولة تعطيل الدفاعات الإيرانية وتسهيل عبور الطيران الصهيونى لضرب المشروع النووى الإيرانى، المسألة التى تناولها الموسم الأول من المسلسل، ثم تعددت الموضوعات التى تناولها العمل فى المواسم التالية.
بيد أن الهدف الحقيقى من المسلسل هو اللعب على تفتيت معانى الانتماء والتشكيك فى الهوية وحقيقة الصراع مع إسرائيل، يظهر ذلك خلال اختراق تمار مجمعاً سكنياً يضم شباباً إيرانياً معارضاً اختار ذلك التجمع بعيداً عن أعين استخبارات الحرس الثورى، واستطاعت تمار الدخول فى علاقة حب مع شاب إيرانى معارض، وصل به الأمر فى النهاية للتعاون مع الموساد، اعتقاداً منه أن ذلك مسألة وطنية للتخلص من نظام الحكم الدينى للملالى.
من يشاهد المسلسل تخطفه مشاهد الأكشن والصراع بين استخبارات البلدين، فى محاولة ضرب المشروع النووى الإيرانى، اعتماداً على مهام الوحدة 8200 أشهر وأكبر وحدات الموساد الإسرائيلى، وأقدمها أيضاً، وهى وحدة جمع معلومات، وتنصت، وإشارات، وفك شيفرة.
تلك المشاهد التى أكد صناع العمل فى تصريحات للصحافة الإسرائيلية أنها درامية ولا علاقة لها بالواقع، بيد أن ما شاهدناه مع بدايات الحرب يشير إلى عكس ذلك، فبحسب الصحف الإسرائيلية نجح الموساد فى تثبیت أنظمة مزودة بأسلحة دقیقة التوجيه داخل الأراضى الإیرانیة، مشیرةً إلى أنها وضعت فى مناطق مفتوحة قریبة من أنظمة صواریخ أرض-جو الإیرانیة، هذه الأنظمة تم تفعيلها بالتزامن مع بدء الهجوم الإسرائیلى، أى فى اللحظة التى كانت فيها الصواریخ الدقیقة على وشك الإطلاق، كما نفذ الموساد عملیة أخرى سریة تم خلالها تركیب أنظمة هجومية وتقنیات متقدمة على مركبات بهدف تحیید قدرات الدفاع الجوى الإیرانیة، التى كانت تشكل تهديداً للطائرات الإسرائیلیة.
تلك المشاهد الحماسية هى ما اشتهر بها العمل وقدمها غالبية من تناولوه بالكتابة والتحليل، لكن ما أظنه أن هناك أبعاداً لا تقل خطورة تناولها مسلسل طهران، مرتبطة بمعانى الهوية والجندرية والعلاقة الإنسانية بين أطراف الصراع الإيرانى الإسرائيلى، فعميلة الموساد تعرضت خلال رحلتها للعديد من النساء الإيرانيات اللاتى وقعن تحت العنف والتمييز المرتبط بالمعنى الجندرى والنوع.
فى تلك الرحلة عمدت تمار لمساعدة هؤلاء النساء، سواء الموظفة الإيرانية بوزارة الكهرباء، التى تقمصت تمار شخصيتها حتى تستطيع الدخول إلى إيران دون كشفها، ومن ثم تسهيل هروب الفتاة الإيرانية خارج الدولة بسبب تعرضها للتحرش الجنسى من مديرها المباشر، ذلك التحرش الذى كان سبباً فى تعطيل عملية تفجير المشروع النووى الإيرانى، بعد اضطرار عميلة الموساد إلى قتل المدير المتحرش وانكشاف وجودها فى المكان.
يستمر العمل فى التعرض لقضايا العنف ضد النساء أو التمييز أو وقوعهن تحت ضغوط جندرية، المسألة التى وصلت إلى قمتها فى الموسم الثالث من المسلسل عندما ساعدت عميلة الموساد زوجة ضابط الاستخبارات الإيرانى فى الهرب من المنزل حتى تستطيع العيش بحرية بعيداً عن قهر زوجها وانشغاله بعمله مع الحرس الثورى.
لم يتوقف صناع العمل عند القضايا الجندرية، بل سعى العمل إلى التكريس لمسألة التعامل مع الموساد، وأن دعم الشباب الإيرانى للعميلة تمار ليس خيانة للوطن، إنما محاولة لتخليص الدولة من الحكم الدينى.
وتعرض الموسم الأول والثانى لقصة الحب التى وقعت بين عميلة الموساد والشاب الإيرانى المعارض لإيران، وكيف عرض حياته للخطر فى سبيل دعم العميلة تمار حباً فى وطنه إيران، وهى معانٍ شديدة الخطورة ومزيفة مهد لها الموساد خلال الدراما الموجهة بشكل مباشر للداخل الإسرائيلى والإيرانى على حد السواء، فى معركة خرجت عن إطار المواجهة المسلحة المباشرة وأصبحت أسيرة لمعركة العقول وتزييف الهوية واستخبارات الإشارات وتوظيف التكنولوجيا فى الحروب الحديثة!