«عربات جدعون».. تحترق
عندما شنت إسرائيل حربها على لبنان اعتبرت جبهة غزة ثانوية، وتكرر الأمر فى عدوانها على إيران، غير أن جبهة غزة تظل هى الجبهة الرئيسية التى لم يحسم أمرها بعد، حيث لم تتوقف عمليات المقاومة ضد الجيش الإسرائيلى المتمركز فى الشمال والوسط والجنوب من القطاع، وأصبحت المعارك تنطلق من المسافة صفر، وتوقع فيها المقاومة الفلسطينية خسائر فادحة فى صفوف الجنود والضباط الإسرائيليين، وهى الخسارة التى مهما حاول نتنياهو وحكومته اليمينية المتطرفة غض النظر عنها، إلا أنها ضربات موجعة يتلقاها الجيش الإسرائيلى من المقاتلين الفلسطينيين الذين لم تتوقف عملياتهم رغم انشغال إسرائيل فى فتح جبهات أخرى، مثل جبهة إيران مؤخراً ومن قبلها سوريا ولبنان، ولا شك فى أن الصواريخ الإسرائيلية التى انطلقت نحو إيران فى الثالث عشر من يونيو، قد حولت الأنظار بعيداً عن حرب غزة التى لا تزال مستمرة منذ 100 يوم بعد استئنافها، عقب هدنة قصيرة لم تدم سوى شهرين.
الفلسطينى يقاوم فى معركة وجودية بعقيدة راسخة ومهما كان الثمن باهظاً ومؤلماً على صعيد الانهيار الكامل لمقومات الحياة فى غزة والدمار الذى لحق بها، وسقوط الشهداء والجرحى بشكل يومى، لكن عندما يتغير الخطاب الداخلى الإسرائيلى بشأن الحرب على غزة ويعتبرها حرباً عبثية لا جدوى منها ولا تجنى سوى قتل الجنود، فهذا تحول يكشف عن حدود القوة للجيش الإسرائيلى فى قطاع غزة، فقد كان التعويل على استمرار حرب استنزاف يريدها نتنياهو دون سقف محدد، ودون دفع أثمان مثل قتل الجنود التى ستجعل الجمهور الإسرائيلى يتململ ويتذمر، لكن المقاومة ما زالت توقع قتلى وجرحى من الجنود والضباط فى عمليات نوعية لم تتوقف، رغم الإنهاك بسبب استمرار الحرب لقرابة العشرين شهراً.
إن كمين خان يونس، الذى أوقع 7 قتلى من الضباط والجنود وعدداً كبيراً من الجرحى، هز أركان الحكومة الإسرائيلية وأعاد حرب غزة مرة أخرى إلى الواجهة بعد أن توارت لأكثر من أسبوعين بسبب العدوان الإسرائيلى على إيران.
وبعد أن فشلت خطة الجنرالات فى السيطرة على القطاع، واستبدالها بخطة عربات جدعون، فإن النتيجة واحدة وهى الفشل، لقد تعالت الأصوات المطالبة بوقف الحرب، بحسب استطلاع أجرته صحيفة «يديعوت أحرونوت» المقربة من رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو قال فيه 67% إن الحرب يجب أن تتوقف لأنهم يرونها بلا هدف ودون جدوى ومقتلة للجنود والضباط، فقد حمل كمين خان يونس الذى تزامن مع احتفال الإسرائيليين بالنصر على إيران رسالة سياسية واضحة، وهى أن جبهة غزة لن تنكسر، وأن الانتصار المزعوم على إيران لن يثنى المقاومة الفلسطينية عن استمرار معركتها مع الاحتلال، وأن الحل من خلال التفاوض وليس بالقوة العسكرية، ولا عربات جدعون التى باتت تحترق يوماً بعد يوم.
وعلى الرغم من إعلان الرئيس الأمريكى دونالد ترامب أن الاتفاق على وقف إطلاق النار فى غزة بات قريباً جداً، وتكليف مبعوثه الخاص للشرق الوسط ستيف ويتكوف لاستئناف المفاوضات، إلا أن الوضع لا يزال على ما هو عليه من جمود بحسب حركة حماس، التى لم تتلق أى إشارات حول هذا الملف، إلا أن حماس وبحسب تصريحات قادتها ما زالت تملك زمام المبادرة، وأنها منفتحة على كل الأفكار عبر التفاوض، وترغب فى التوصل إلى اتفاق يفضى إلى وقف الحرب وتبادل الأسرى وانسحاب إسرائيل من المناطق التى احتلتها فى غزة، والسؤال: هل ينتهز نتنياهو فرصة الإحساس بالنصر فى حربه على إيران، والتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، ومن قبلها اتفاق وقف إطلاق النار فى لبنان، أن يتم الاتفاق على وقف إطلاق النار فى غزة وإنهاء الحرب؟ خاصة أن الحرب على غزة استنفدت أغراضها، ولم تعد هناك فائدة من استمرار القتال، وذلك باعتراف قيادات عسكرية وسياسية.