نهاية هوليوودية للحرب

سحر الجعارة

سحر الجعارة

كاتب صحفي

على طريقة أفلام هوليوود كتم العالم أنفاسه ووضع سيناريوهات عديدة لدور «السلاح النووى» فى الضربات الإسرائيلية-الإيرانية، خلال حرب الاثنى عشر يوماً التى اكتفت بالصواريخ الباليستية من الجانب الإيرانى (قرابة 600 صاروخ باليستى من مختلف الطرازات، إلى جانب أكثر من 1000 طائرة مسيّرة)، بينما نجح سلاح الجو الإسرائيلى مدعوماً بشبكة من العملاء الميدانيين التابعين للموساد فى فرض سيطرة جوية شبه كاملة فوق الأجواء الإيرانية وأسفرت الغارات المكثفة عن تدمير عدد كبير من كتائب الدفاع الجوى الإيرانية، شملت منصات صواريخ «أرض-جو» ورادارات متطورة، وهو ما مثّل ضربة قاصمة لقدرات إيران الدفاعية الجوية.

العالم الذى ترقب استهداف «منشأة فوردو» وتحسب من تدمير البرنامج النووى الإيرانى، وتداعياته على المنطقة، وأخذ يحلل احتمالات التسرب الإشعاعى، وجد ببساطة أن مخزون إيران البالغ 400 كيلوجراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهى نسبة قريبة من نسبة الـ90% المطلوبة لصنع سلاح نووى، والتى كانت موجودة فى منشأة فوردو، قد تم تهريبها وتفريغ المنشأة، ورصدت الأقمار الصناعية الملتقطة قبل يومين من الهجوم على منشأة فوردو 16 شاحنة بضائع على طريق يؤدى إلى المجمع.. ولم يسأل أحد: لماذا لم يقصف الأمريكيون والإسرائيليون هذه الشاحنات، وأليس من الطبيعى أنهم تتبعوا مسار الشاحنات فعرفوا وجهتها الأخيرة؟!.

ثم جاء الهجوم الإيرانى على قاعدة «العديد» العسكرية الأمريكية فى قطر بصواريخ باليستية متوسطة وقصيرة المدى، ليحول لهجة الرئيس الأمريكى «دونالد ترامب» من التهديد والوعيد، فى حال استهداف أى مصالح أو منشآت أمريكية، إلى لجهة ود وهزار ودعوة للسلام، وكتب ترامب فى منشور على منصته «تروث سوشيال» إن الجمهورية الإسلامية «فرّغت ما فى نفسها بالكامل، وآمل فى ألا يكون هناك مزيد من الكراهية». وتابع «ربما الآن يمكن لإيران أن تمضى نحو السلام والوئام فى المنطقة، وأنا سأشجع إسرائيل بحماسة على القيام بالمثل». وأضاف الرئيس الأمريكى «تهانى للعالم، لقد حان وقت السلام»!!.

وكأن الحرب العالمية الثالثة لم تكن إلا «بروفة» أو مسرحية هزلية تمت بالاتفاق بين أطراف الصراع تحت إشراف رئيس مجلس إدارة العالم الأمريكى، الذى جعل «منشأة فوردو» خالية من اليورانيوم، وقاعدة «العديد» خالية من القوات العسكرية حرصاً على الأرواح قبل الأسلحة.. إذن ما هو الهدف الأول والأسمى لهذه الحرب التى أرّقت العالم بأكمله؟.

أولاً: تم اغتيال عدد كبير من علماء الطاقة النووية، بمن فيهم عناصر الصف الأول فى برنامج السلاح النووى الإيرانى.. وتشير المعلومات إلى أن الضربات التى استهدفت أربع منشآت رئيسية (نطنز، أصفهان، فوردو، آراك) والتى قامت بها الولايات المتحدة أسفرت عن تعطيل البرنامج النووى، وكان لواشنطن الدور الحاسم فى إنهاء الحرب وفرض وقف إطلاق النار.

ثانياً: أظهرت الحرب جانباً خفياً من التنسيق الاستخباراتى الواسع، حيث نُفذت اغتيالات دقيقة طالت العشرات من كبار قادة الحرس الثورى والقوات الجوفضائية والطوارئ وفيلق القدس، بالإضافة إلى مئات من عناصر الباسيج، بينهم أطقم تشغيل منصات الصواريخ والدفاع الجوى. علاوة على تدمير عدد كبير من مقرات الحرس الثورى ومرافق تابعة للقوات المسلحة الإيرانية.

كما اغتالت إسرائيل، سواء عبر الغارات أو المسيّرات، والسيارات المفخخة، حوالى 17 عالماً من أبرز عقول إيران النووية، وفق ما نقلت القناة الـ12 الإسرائيلية، وهذه لم تكن نقطة البداية فى استهداف العلماء الإيرانيين، فقد بدأ السيناريو من قبل استهداف إيران بتصفية المشروع النووى العراقى بسقوط بغداد مارس 2003، وربما من قبل باغتيال العالم المصرى الدكتور «يحيى المشد»، عالم الذرّة والفيزياء النووية وأستاذ جامعى مصرى، الذى كان يقود برنامج العراق النووى.. وتمت تصفيته فى باريس 1980.

الحرب التى انتهت فجأة بشكل درامى كانت قائمة على العلم وقصف مواقع تخصيب اليورانيوم.. لكن أمريكا لم تستهدف إسقاط «حكم الملالى» بل على العكس، إنها تحتاج إليه لإشعال الصراع «السنى - الشيعى» لإضعاف المنطقة العربية.. أما السلاح النووى فلن تسمح أمريكا بامتلاك أى دولة شرق أوسطية له لتبقى إسرائيل وحدها الدولة النووية الأقوى والأكثر ردعاً للجميع لدرجة إنهاء الحياة فى تل أبيب وكل الدول المجاورة لها.. فالمدى الجغرافى لا يسمح إطلاقاً باستخدام الكيان الصهيونى لقنبلة نووية.

أما البطل الرئيسى لهذه الحرب فكان أجهزة الاستخبارات، وإن تفوق فيها جهاز الاستخبارات الإسرائيلى «الموساد»، فقد أفادت تقارير صحفية إيرانية بأن السلطات فى طهران اعتقلت نحو 700 شخص خلال فترة المواجهة التى استمرت 12 يوماً مع إسرائيل، بتهمة التعاون مع جهاز الاستخبارات الإسرائيلى «الموساد».. وبحسب وكالة أنباء مهر، وصفت الحكومة المعتقلين بأنهم «مرتزقة إسرائيليون»، مشيرة إلى أنه تم تنفيذ حكم الإعدام بحق ثلاثة منهم بعد إدانتهم بالتجسس لصالح إسرائيل.

ومن الخطورة العظمى لهذه الحرب القصيرة التى استخدمت أحدث الأسلحة فى العالم واستهدفت قواعد عسكرية ومنشآت نووية، وهزت بورصات العالم وأسعار النفط والعملات وأربكت المجال الجوى فى الشرق الأوسط، وبعد تعاون وثيق بين الطرفين المتحاربين لتحذير كل منهما الآخر قبل القصف.. تأتى النهاية الهزلية على لسان ترامب: «مستقبل إسرائيل وإيران غير محدود، وملىء بالوعود العظيمة. بارك الله فيكما!».