احتضنه «النبي» وبكى
اثنان بقيا مع النبى، صلى الله عليه وسلم، بمكة، بعد أن هاجر كل صحابته إلى المدينة: على بن أبى طالب، ابن عم النبى الذى كان يعيش معه، وصديقه أبوبكر الصديق. رافق «الصدّيق» النبى فى رحلة الهجرة، وشاء الله أن يكون «ثانى اثنين» كما أشارت الآية الكريمة التى تقول: «إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِىَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا».
فى المقابل تحمّل على بن أبى طالب مهمة أخرى أشد وأخطر، تمثّلت فى المبيت مكان النبى، بهدف خداع المشركين الواقفين على باب البيت يستهدفون اغتياله، وأن يحل محله فى أداء بعض الأمانات التى فى ذمته لآخرين. يقول «ابن الأثير»: «قال النبى لعلى بن أبى طالب: نم على فراشى واتشح ببردى الأخضرى، فنم فيه فإنه لا يخلص إليك شىء تكرهه، وأمره أن يؤدى ما عنده من وديعة وأمانة وغير ذلك».
بات الفتى الشجاع مكان النبى ولم يبالِ بكتيبة الاغتيالات التى وقفت عند الباب، نام ملء عينيه، المشركون يرقبون المشهد فتغلب الطمأنينة قلوبهم بأن محمداً ما زال فى فراشه، ظلوا كذلك حتى شبع على من النوم واستيقظ، هنالك تذكروا قول أحدهم حين سألهم ماذا يفعلون عند باب «محمد» وقد خرج أمامهم دون أن يدرى أحدهم به، اقتحموا البيت وسألوا علياً: أين محمد؟ فأجاب: أمرتموه بالخروج فخرج. فانهالوا على الفتى بالضرب، وحبسوه ساعة ثم تركوه.
بدأ «على» فى تنفيذ بقية المهمة، فأدّى أمانات النبى إلى أهلها، وبدأ فى الاستعداد للهجرة. كان على إذن «المهاجر الأخير» من مكة، بل قد عاش فيها أياماً المؤمن الوحيد بمدينة الشرك هذه. لم يكن لدى على راحلة أو بعير يركب عليه، فسار على قدميه، ولك أن تتخيل قسوة الرحلة التى خاضها سيراً من مكة إلى المدينة، قاطعاً مئات الكيلومترات تحت شمس الصحراء. ظل «على» أياماً يسير بالليل ويكمن بالنهار، يقطع الأمتار بين الصخور وفوق الرمال، صابراً مُحتسباً، حتى تمكن فى النهاية من الوصول إلى المدينة المنورة.
وصل الفتى العانى المنهك إلى المدينة بعد رحلة قاسية تفطرت فيها قدماه وتورمتا بصورة حالت بينه وبين القدرة على السير حتى تبرآ، مكث فى بيته عاجزاً عن المشى، علم النبى أن ابن عمه الحبيب وصل المدينة، فقال، صلى الله عليه وسلم لمن حوله: ادعوا لى علياً. قيل: لا يقدر أن يمشى. فأتاه النبى، صلى الله عليه وسلم، واعتنقه وبكى، رحمة لما بقدميه من الورم، وتفل فى يديه وأمرهما على قدميه، لم يشتكهما بعد حتى قتل.
لقد احتضن النبى ابن عمه وبكى عطفاً وحناناً لما أصابه، هذا الفتى المؤمن إيماناً استثنائياً، والذى تحمّل بشجاعة أن ينام مكان النبى، وأن يبقى وحده بمكة، وبنفس راضية سار على قدميه إلى المدينة وراء نبيه ورسوله، حتى وصل إليه وقد أكلت رمال الصحراء وصخورها قدميه فبات عاجزاً عن السير.
صلى الله وسلم على نبينا محمد، وكرم وجه ابن عمه على بن أبى طالب.