ثورة 30 يونيو.. حين تجاوز الشعب حدود الصبر (1)

رفعت رشاد

رفعت رشاد

كاتب صحفي

كانت ثورة 30 يونيو 2013 لحظة فاصلة في تاريخ الدولة المصرية. عبّرت عن إرادة جماعية واضحة لإيقاف مسار كان يهدد بنية الدولة ومكتسبات المجتمع المصري. فخلال عام واحد من حكم جماعة الإخوان المسلمين، بدت مصر وكأنها تنزلق بسرعة نحو دولة دينية استبدادية تقصي الآخر وتفرض وصايتها على مؤسسات الدولة باسم الشرعية.

تجلّت الدوافع المباشرة للثورة في الانهيار السريع لمؤسسات الدولة، وتغوّل جماعة الإخوان على مفاصل الحكم، من القضاء إلى الإعلام إلى الأمن. شعر المواطن المصري أن "الديمقراطية" تُستخدم كغطاء لفرض حكم استبدادي ديني. تفاقمت الأزمات الاقتصادية، وانقطعت الكهرباء، وظهرت نغمة تقسيم الشعب إلى "فسطاطين"، كما عبّر في خطاباته محمد مرسي نفسه.

أخطر ما واجه المصريون في تلك الفترة هو ما يمكن تسميته بـ"تهديد الهوية الوطنية". مصر ذات الطابع المدني، المتعدد، المنفتح، وجدت نفسها تحت هيمنة خطاب أيديولوجي مغلق يرى الوطن مجرد إطار لخدمة مشروع أممي إخواني. هذا التهديد العميق دفع قطاعات عريضة من الشعب إلى التحرك لإنقاذ الدولة وليس فقط لمعارضة سياسات.

قام تحالف غير مسبوق بين القوى المدنية والليبرالية واليسارية والرموز الوطنية، إضافة إلى دعم الكنيسة والأزهر، شكّل أرضية سياسية صلبة للثورة. لكن العامل الحاسم كان الحراك الجماهيري واسع النطاق، حيث قُدِّر عدد المشاركين في التظاهرات بنحو 30 مليون مواطن خرجوا مشاركين لا مراقبين فحسب. كانت هناك مخاوف من الهيمنة الأيديولوجية وإقصاء الآخر، ما دفع الجماهير للتحرك دفاعًا عن التنوع والدولة الوطنية.

رغم فوزهم بالانتخابات، لم تتمكن جماعة الإخوان من التحول إلى مكوّن سياسي طبيعي في بنية المجتمع المصري، وظلوا أسرى مشروعهم الخاص. الفشل في دمج التيارات الأخرى، ورفضهم للحوار الحقيقي، وانفرادهم بالدستور ومفاصل الدولة، أدى إلى انفجار شعبي ضدهم.

شهدت مصر في عهد الإخوان تراجعًا اقتصاديًا ملحوظًا، وتراجعًا في الاستثمار، وغيابًا واضحًا في الأمن. الطبقة الوسطى التي كانت وقود الثورة الأولى وجدت نفسها مهددة، بينما شعر الفقراء بخيبة الأمل ، ما وسّع رقعة الرفض الشعبي.

لعب الإعلام دورًا كبيرًا في كشف سياسات الجماعة وتحفيز الرأي العام، خاصةً بعدما بدأ الإخوان في ملاحقة الإعلاميين وقنوات المعارضة. أضحت القنوات المعارضة صوتًا حقيقيًا لجماهير تشعر بالخطر، وساهم ذلك في تعبئة الوعي الجمعي نحو المواجهة.

خلافًا لثورات كثيرة كانت تطالب بتفكيك الدولة أو إسقاط النظام بالكامل، جاءت ثورة 30 يونيو خطوة لإنقاذ الدولة من السقوط. لذلك دعمت مؤسسات الدولة، وعلى رأسها الجيش، الحراك الشعبي، ما أعطى للثورة طابعًا استثنائيًا.

إن دوافع ثورة 30 يونيو لم تكن سطحية ولا عاطفية، بل عميقة، وتعبّر عن إدراك جمعي للخطر الذي كان يهدد مصر كدولة وهوية. أظهرت الثورة أن الشعب المصري قادر على تصحيح المسار كلما شعر أن بلده تُختطف.