الحرب كصراع لغوي (5)
ما فى الحرب من قسر وإجبار وإرغام وعنف انتقل فى العقل الأوروبى مجازاً من ميادين القتال الموزعة على خرائط العالم غير الغربى إلى عالم اللغة، الذى يمكن فيه أن يمارس عنفاً من نوع آخر، فتم فرض اصطلاح «الحرب الباردة»، ونُسجت حوله عبارات كانت ترجمة لنيات وحسابات وادعاءات ومزاعم، لا تُساق من فراغ إنما لتحقيق أهداف محددة، استقرت فى يقين الغرب بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، وفرضها على الجميع، مثلما فرضت الولايات المتحدة بعد انهيار غريمها الأول الاتحاد السوفيتى مصطلح «النظام الدولى الجديد».
ومع أن المصطلحات ربما تكون قد تغيرت من «التدخل الحميد» إلى «تغيير النظام»، ومن «الخطر الأحمر» إلى «الرعب الكونى» فإن المشهد السياسى ظل على حاله، متمثلاً فى قوة تسعى إلى الهيمنة وعالم يتمرد بعضه على الوضع السائد ويقاومه.
يبقى المجاز الذى لم يسعَ مَن صكوه إلى مخاتلة أو خداع، وكان من نتاج ما تسمى «الحرب الباردة» هو «سباق التسلح»، الذى ظهر فى سياق التنافس بين بريطانيا وألمانيا فى الفترة من 1900 إلى 1914، هو الذى قاد إلى اندلاع الحرب العالمية الأولى. وذاع صيت المصطلح حين كان الصراع على التفوق فى تصنيع واقتناء السلاح بين موسكو وواشنطن على أشده.
وكلمة سباق مجازية تعنى أن التقدم فى حيازة السلاح من قبَل طرف يقابله مسارعة من الطرف الآخر لحيازة أسلحة أكثر ممن يسبقه، وولدت فى ركابها مجازات أخرى مثل تعبير «حرب النجوم» الذى أطلقه الرئيس الأمريكى رونالد ريجان، ووصفه بأنه أوسع وأعلى من أن يبلغه الروس أو يتجاوزوه.
فى المقابل فإن «الحرب» تمت استعارتها لمجالات لا علاقة لها بأى مسائل تخص المعارك والقتال، مثل مصطلح «حرب الروايات»، الذى حين نسمعه ينصرف الذهن على الفور إلى الوصف المتناقض لواقعة واحدة على ألسنة ساسة فى لحظة صراع ما. ولهذا نسمع دائماً روايتين مختلفتين فى كثير من الأحيان، واحدة للسلطة وأخرى للمعارضة، وواحدة للشرطة وأخرى للمتظاهرين مثلاً، وواحدة للمنتصر وأخرى للمهزوم فى الحروب، وواحدة للمستعمِر وأخرى للمستعمَر.. وهكذا.
وفى أغلب المراحل كانت رواية السلطة مشبعة بالأكاذيب، فإن وجدنا رئيساً أو وزيراً يتحدث ويقسم بأن ما يقوله صدق فعلينا أن نسمعه بحذر، وننظر جيداً إلى عينيه، قبل الإنصات إلى صوته المشبع بالمجازات، والغارق فى المسكنة، أو الذى يتظاهر فيه بالشجاعة والقوة، وهو أضعف من ريشة فى مهب الريح.
وحين نسمع استعارة «حرب الروايات» تأتى إلى الذهن إمكانية أن نقلب المصطلح، كنوع من المشاكسة اللغوية، فيصير «رواية الحرب» وبالتالى نجد أنفسنا أمام مسار طوعى معتاد هادئ يسير، إذ إن الروايات التى جعلت من الحروب، بمختلف درجاتها وأنواعها، مادة لها أصبحت كثيرة وتراكمت على مدار الزمن لتشكل تياراً أدبياً صار البعض يطلق عليه «أدب الحرب» والذى ساح فى ألوان أدبية شتى إلى جانب الرواية مثل الشعر والقصة والمسرحية، وصوَّر المعاناة الإنسانية وقت القتال، أو رسم مسار المعارك وأرَّخ لها، أو حاول أن يمجد النصر، ويخفف من وطأة الهزيمة، وهكذا.
وهناك أيضاً ما سُمى بـ«أدب المقاومة» والذى ضاق عند البعض ليحصره فى المقاومة المسلحة، واتسع عند آخرين ليشمل ألوان المقاومة كافة، سلمية ومدنية ونفسية.
لكن الأمر لم يقف عند هذا الحد المتداول فى الأدبيات السياسية حول رواية الوقائع بطرق متناقضة، ولا أدب الحرب وأدب المقاومة، ولا السرديات الكبرى التى تمجد تاريخ أمة، أو تحكى حكايتها الوطنية، وتُنعش ذاكرتها القومية، وتدافع عن هويتها، بل تعداه الآن إلى حديث عن «حروب السرد الروائى» التى تعنى التنافس الحاد بين الكُتاب ودور النشر والدول فى مجال كتابة الرواية وإصدارها وتوزيعها، والقتال الأشد ضراوة فى سبيل حصولها على جائزة محلية أو إقليمية أو دولية، فى سعار شديد، دخلت عليه قوى السوق الرأسمالية بكل آلياتها، حتى إننا بتنا نسمع عن أن أصحاب دور النشر هم من يحسمون التنافس على الجوائز الأدبية، وليست القيمة الفنية للنص ولا حتى التاريخ الأدبى لصاحبه، لأن الجائزة وقتها ستؤدى إلى مزيد من توزيع الرواية الفائزة، ما يعنى أرباحاً أكثر فى جيوب الناشرين.