الإشارة والبشارة في 30 يونيو

«هذه الثورة إشارة وبشارة، إشارة إلى ماض ما زال حاضراً، وبشارة بمستقبل تتطلع إليه الإنسانية كلها»، «هذه الثورة امتداد للمسيرة الثورية للوطنية المصرية، وتوكيد للعروة الوثقى بين الشعب المصرى وجيشه الوطنى، الذى حمل أمانة ومسئولية حماية الوطن، والتى حققنا بفضلها الانتصار فى معاركنا الكبرى»، كلمات موحية من ديباجة الدستور المصرى الحالى، دستور الثورة، وهى الديباجة التى كتبها وصاغها ببراعة وإبداع شاعرنا الكبير سيد حجاب، رحمه الله.

وتبقى ذكرى هذا اليوم العظيم، يوم ثورة الشعب المصرى فى 30 يونيو سنة 2013، صفحة مشرفة فى تاريخ مصر الحديث، محفورة فى نفوس من شاركوا فيها وعاصروا أحداثها، راسخة فى الوجدان الجمعى للأمة المصرية، التى أعلنت قبل 12 عاماً التمرد على حكم الجماعة المارقة، والرفض القاطع لتوغلها فى جسد الدولة وهيمنتها على أركان الحكم تمهيداً لتأسيس ديكتاتورية دينية مقيتة، فأعلن الشعب المصرى فى هذا اليوم تحديه لمشروع «الإخوان المسلمين»، وانطلقت ثورته الغاضبة فى كل ربوع الوطن إيذاناً ببدء التعافى من هذا السرطان الفكرى الذى أفسد الحياة السياسية المصرية منذ عشرينات القرن الماضى، إلى أن هب الشعب المعلّم يسانده الجيش الوطنى لتخليص البلاد من هذا الشر المتجذر، لتنجح ثورة المصريين فى تحرير الوطن المختطف، وتدفعه لينطلق نحو مستقبل واعد يؤسس جمهوريته الجديدة، دولة ديمقراطية مدنية حديثة.

وتحتفظ ذاكرة الأمة للأجيال بما سجلته من شهادات المعاصرين باختلاف مواقعهم من الأحداث وعلاقتهم بها، لعلها تدرك حقيقة ما حدث من جميع زوايا الرؤية، قبل أن يخفيها طوفان التشويه الذى تحركه أيادى العابثين والمخربين، الطامحين لإعادة كتابة التاريخ وفق أهوائهم.

ولهذا أصدرت فى سنة 2019 شهادتى عن هذه المرحلة الهامة من تاريخ بلادى فى كتاب عنوانه: «حركة شباب: مشاهدات مراسل أجنبى فى مصر»، والذى سجلت فيه اللحظات الكاشفة التى استوقفتنى ما بين ثورتى (يناير ويونيو)، كتبتها بأسلوب قصدته ساخراً، لعله يخفف مرارة تلك الأيام، التى كنت شاهداً عليها ومشاركاً فاعلاً فيها، ونشرت المشاهدات (فى زمانها) على مدونتى الشخصية وبعض المواقع والصحف المصرية والعربية دون اكتراث لأى عواقب.

وقد اضطررت للابتعاد عن عملى طوال عام 2013، لأشارك بحرية ودون أعباء وظيفية فى معركة تطهير الوطن من الإخوان. خاصة بعد أن تصاعدت المشكلات والضغوط بسبب مقالاتى ومشاركاتى الرافضة للحكم الإخوانى، وربما يأتى يوم أرويها بتفاصيلها الكاملة فى شهادة أخرى، وكتاب جامع لتجربتى الصحفية التى امتدت لأكثر من عشر سنوات مديراً للتحرير فى صحيفة «الشرق الأوسط»، سعودية التمويل والإدارة ولندنية المنشأ والمركز.

ويغفل المؤرخون أحياناً عن مشاهدات العوام من الناس مكتفين بالشهادات الموثقة للنخبة من أهل الفكر والرأى فى الأحداث الكبرى التى تغير مسار الدول ومسيرة الشعوب، رغم أن معظم النار من مستصغر الشرر، وكل المنعطفات الكبرى فى تاريخ الأمم انطلقت من قلب صغير، وعقل بسيط يفكر فى احتياجاته الطبيعية وهمومه الشخصية.

وقد اجتهدت أن ينطبق على شهادتى فى كتاب «حركة شباب» حالة «أحاديث العوام»، وهى الحالة التى حافظت عليها خلال كتابة نصوص الكتاب، بعد أن أطلقت حروفى وكلماتى فى عفوية وبلغة أقرب ما تكون إلى العامية، بعيداً عن الكليشيهات والكلام المقعر، عبرت فيها عن مشاعر إنسان مصرى يطرح آراءه ببساطة وبلا تنظير، ودونت بعين «المواطن الإعلامى» الوافد الجديد على مهنة الإعلام، والذى تبلورت تجربته فى بداية العقد الماضى من خلال ما سُمى بالمدونات الشخصية، والتى منحتها «السوشيال ميديا» سياقات أخرى أكثر اختزالاً وتمرداً على الكتابة التقليدية.

بدأت معركتى الفكرية مع مشروع «الإخوان» الرجعى، قبل أن يصل «مرسى» إلى الاتحادية ثم تصاعدت بعد وصوله وبدء مرحلة «الهرتلة» السياسية لـ«مرسى» وعشيرته فى قصر الاتحادية، واخترت منازلة الجماعة عبر منبر الأزهر الشريف، بعد أن جاءتنى دعوة كريمة من رئيس تحرير صحيفة «صوت الأزهر» فى ذاك الوقت، واتسعت شجاعته إلى حد سبعة مقالات متتالية نشرت خلال شهرى نوفمبر وأكتوبر من عام 2012، مثلت حجر الزاوية فى مشروعى الفكرى حول تجديد الفكر الدينى والذى تبلور فى كتابى «مشكلة الإسلام» الذى نشر فى عام 2020.

كان اختطاف الجماعة لمنصب رئيس مصر، مسألة فارقة فى تاريخنا المعاصر، كانت لحظة مرتبكة سياسياً، فقد تم الاختطاف عبر انتخابات بدت للعالم أنها ديمقراطية نزيهة، رغم استغلال الجماعة فيها للدين فى تغييب وعى المجتمع، وتحت نفس الغطاء الساحر ارتكب الإخوان الكثير من المخالفات والخطايا.

لقد استدعى ما جرى من سيولة فكرية وفوضى دينية مراجعات شاملة للفكر الدينى فى مصر والعالم العربى، وهى رحلة ممتدة ظنى أنها ما تزال تحتاج جهداً جمعياً أكثر تنظيماً، وأقوى تأثيراً، كى نجنى ثماراً حقيقية تستدعيها ضرورات إنضاج العقل المصرى والعربى، وإخراجه من الكهف المظلم، الذى سجنه فيه تيار الإسلام السياسى لعقود ممتدة.

حفظ الله مصر..

وكل عام وأنتم بخير