في تأمل كلمة الرئيس بمناسبة «30 يونيو»!

أحمد رفعت

أحمد رفعت

كاتب صحفي

لا ينبغى أن تمر كلمة الرئيس عبدالفتاح السيسى فى ذكرى ثورة 30 يونيو دون قراءة متأنية عميقة.. ليس لأنها فقط بمناسبة ذكرى عزيزة غالية عند شعبنا.. إنما لأنها بالفعل مختلفة عن كل كلمات الرئيس السابقة فى ذات المناسبة أو المناسبتين الأخريين التى يلقى فيهما الرئيس كلمات رسمية.. ذكرى ثورة يوليو العيد القومى للبلاد وفى ذكرى أكتوبر المجيد.

أى قراءة سريعة فى كلمات الرئيس طوال السنوات العشر السابقة سنجدها تستغرق ذات الوقت.. بين الستة والسبع دقائق تقريباً.. حافظت فى محتواها على عدة ثوابت تبدأ بإنعاش الذاكرة الوطنية عما جرى فى الـ30 من يونيو وكيف استرد شعبنا. وطنه فى ملحمة شعبية هائلة.. وتختتم دائماً بتمنى الخلود والنصر لبلدنا العظيم بالهتاف الشهير الأثير «تحيا مصر» ومروراً بتحية الشهداء. وما قدموه من تضحيات عظيمة ودمائهم الطاهرة الزكية وكذلك التحية لأسرهم.. أمهاتهم وآبائهم.. أبنائهم وزوجاتهم.. ومروراً أيضاًَ بتحية القوات المسلحة وهيئة الشرطة.

فى أولى سنوات تولى المسئولية كان منطقياً أن تشير كلمات الرئيس إلى أن «30 يونيو» صححت مسار يناير وكان منطقياً فى السنوات الأخيرة الإشارة إلى حركة البناء والتنمية والعمل داخل مصر وما يجرى على أرضها طولاً وعرضاً من مشروعات كبيرة ومهمة.. وكان منطقياً أيضاً الإشارة إلى التحديات والاعتراف بالعقبات ولكن مع منح الأمل فى هزيمتها والانتصار عليها.. وكان منطقياً لفت الانتباه فى كلمات منتصف هذه السنوات العشر وتحديداً عام 2020 إلى المشكلات المحيطة بمصر فى الإقليم.. إنما هذه المرة يختصر الرئيس كل ذلك فى أقل من دقيقتين ليذهب إلى ما يجرى فى المنطقة كلها.

ليبدأ من غزة ثم يختص الدول العربية (أصوات الضحايا التى تعلو من غزة المنكوبة، إلى الصراعات فى السودان وليبيا وسوريا واليمن والصومال)، ولذلك.. نقول هنا.. غير صحيح وقوف مصر على الحياد فى العدوان على غزة كما قلنا مراراً حتى عبارة: (ومن منبر المسئولية التاريخية، أناشد أطراف النزاع والمجتمع الدولى مواصلة اتخاذ كل ما يلزم والاحتكام إلى صوت الحكمة والعقل لتجنيب شعوب المنطقة ويلات التخريب والدمار)، فهى وردت بعد الحديث عن الصراعات السابقة كلها ولذلك فهى عنها جميعاً.. أما عن القضية الفلسطينية فموقف الرئيس الذى هو موقف مصر شديد الوضوح وعنه يقول الرئيس: (إن مصر الداعمة دائماً للسلام، تؤمن بأن السلام لا يولد بالقصف ولا يفرض بالقوة، ولا يتحقق بتطبيع ترفضه الشعوب، فالسلام الحق يُبنى على أسس العدل والإنصاف والتفاهم)، ثم يؤكد ما سبق بما هو أكثر تحديداً لمن يتعذر عليه استيعاب ما سبق ويقول: (استمرار الحرب والاحتلال لن ينتج سلاماً، بل يغذى دوامة الكراهية والعنف، ويفتح أبواب الانتقام والمقاومة التى لن تغلق، وكفى عنفاً وقتلاً وكراهية، وكفى احتلالاً وتهجيراً وتشريداً)، ثم يسعى الرئيس كما فعل فى القمة العربية إلى تشجيع الولايات المتحدة إلى لعب دور متوازن فى أحداث المنطقة فيذكرها بدورها فى السلام بين مصر والعدو: (ولنستلهم من تجربة السلام المصرى الإسرائيلى فى السبعينات، التى تمت بوساطة أمريكية، برهاناً على أن السلام ممكن، إن خلصت النوايا) لكن سريعاً يحدد الرئيس شكل السلام الذى يقصده، وتقصده مصر كلها: (إن السلام فى الشرق الأوسط، لن يتحقق إلا بقيام الدولة الفلسطينية المستقلة، على حدود 4 يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية).

وهكذا اضطرت الظروف الدولية والإقليمية الرئيس ليمنحها وقتاً كبيراً من وقت الكلمة السنوية فى واحدة من أهم مناسبات مصر الرسمية التى اعتدنا فى تناولها شئوناً شديدة المحلية.. بما يعنى حجم الالتفات المصرى والانتباه لهذه القضايا فى خطاب مصرى قومى عربى خالص لم يذكر فيه طرفاً غير عربى إلا لتشجيعه للعب دوره المنتظر منه.. لكن بشروط محددة سلفاً أكد الرئيس أنه (لن نحيد عنها) كما أكد: (ولكننا لا ننحنى إلا لله سبحانه وتعالى)، ولا نظن أنها جملة لأسباب داخلية طبعاً!!! وفيها وحدها رسائل عديدة تشير إلى موقف مصر المستقل فى كل القضايا الجارية بثوابت لن تتنازل عنها أبداً!!

يختم الرئيس كلمته بالعودة إلى ثوابتها التى أشرنا إليها.. الدعوة إلى الوحدة والتماسك والوعى مع جرعة معنوية كبيرة جداً مع تعهد بوضع مطالب الناس وتخفيف أعبائهم على قمة أولوياته والحكومة كأنه برنامج عمل مقتضب ومختصر يحدده الرئيس أمام شعبه متعهداً به!

كل عام وشعبنا وبلدنا بكل خير. وتحيا مصر دائماً وأبداً.