الإيجارات القديمة.. بين العدالة المؤجلة والانفجار الاجتماعي

الإيجارات القديمة ليست مجرد عقود قانونية جامدة، بل هى مرآة لزمن طويل من التشابكات التاريخية والتشريعية والاجتماعية، إنها واحدة من أكثر القضايا حساسية فى الشأن العقارى المصرى؛ لأنها تمس ملايين المواطنين بين مالك حُرم من حقه فى التصرف فى ملكيته، ومستأجر وجد فى سكنه استقراراً لعقود، وبين هذا وذاك تأخرت العدالة لسنوات حتى تحولت إلى كرة ثلج مهددة بالانفجار الاجتماعى.

ومع تصاعد النقاش تحت قبة البرلمان بشأن التعديلات المقترحة، وتزايد ضغط الشارع نحو التصحيح، تقف الدولة أمام لحظة حاسمة لإعادة التوازن لقانون نشأ فى زمن مختلف ولم يتطور مع تغير الزمن، فالقانون الذى تم إقراره فى ظل ظروف اقتصادية واجتماعية استثنائية عقب ثورة يوليو ظل سارياً بشكل شبه جامد لعشرات السنين رغم تغير المعطيات وارتفاع معدلات التضخم وتضاعف أسعار العقارات بصورة لم تكن فى الحسبان، فالعقود القديمة التى ثبتت القيمة الإيجارية عند مستويات غير واقعية جعلت الملاك عاجزين عن الصيانة وغير مستفيدين من استثماراتهم، بينما يظل المستأجر متمسكاً بحق مكتسب يرى فيه حماية من غدر الزمن، وفى ظل هذا الخلل تتآكل الثروة العقارية ويتراجع الاستثمار فى الإيجار السكنى ويصبح السوق مشوهاً لا يعكس العرض والطلب ولا يُنتج مناخاً صحياً للتنمية.

ومع طرح التعديل الجديد، الذى يمنح فترة انتقالية مدتها سبع سنوات ويقترح رفع القيمة الإيجارية تدريجياً بنسبة 15% سنوياً، ثم تحرير العلاقة تماماً، يعود الجدل من جديد، فهل يكفى هذا التدرج لضمان عدالة التغيير؟ وهل نمتلك الأدوات اللازمة لتطبيقه دون أن يتحول إلى أزمة اجتماعية؟ هذا هو جوهر المعادلة الصعبة التى لا يمكن حلها فقط بالنصوص، بل تحتاج إلى رؤية متكاملة تبدأ بتصنيف دقيق للحالات المختلفة لأن التعامل مع مستأجر فقير يقطن شقة قديمة فى حى شعبى يجب ألا يكون كالتعامل مع عيادة أو مكتب محاماة فى وسط البلد، كما أن المناطق الجغرافية والسياق الاقتصادى لكل عقار لا بد أن تؤخذ فى الاعتبار.

إضافة إلى ذلك لا بد من إنشاء صندوق انتقال عادل يدعم الفئات الأضعف فى دفع الفارق أو توفير سكن بديل سواء عبر وحدات إسكان اجتماعى أو دعم نقدى موجه، وكذلك يجب أن تقترن الإصلاحات بحوافز ضريبية للملاك لتشجيعهم على إعادة الاستثمار فى عقاراتهم المتقادمة وتشجيع البيع الاختيارى للمستأجرين القدامى وفق تقييم عادل يوفر لهم الاستقرار وللملاك التعويض، كما أن الإعلام له دور محورى فى تهدئة المخاوف ونشر التوعية القانونية وفتح قنوات تفاوضية مرنة بين الأطراف.

إن العدالة لا تعنى أن ينتصر طرف على حساب الآخر، بل أن نعيد ضبط المعادلة بما يضمن استدامة المنفعة ويحمى النسيج الاجتماعى من التآكل، فالهدف ليس فقط تحرير العلاقة الإيجارية، بل تحرير إمكانيات المجتمع للتطور وتحقيق المصلحة العامة بشكل متوازن ومدروس لأن الانفجار الاجتماعى قد يأتى من تشريع لم يُقرأ جيداً أو من تطبيق لم يُراعِ تفاصيل الواقع، وهنا يصبح الإصلاح الشامل، الذى يجمع بين قوة القانون ورحابة السياسة الاجتماعية، هو السبيل الوحيد لتحويل العدالة المؤجلة إلى واقع متحقق ومستدام.