«صراع في النيل».. حكاية فيلم بدأت بـ«كيزان ذرة» وأشعلت كواليسه هند رستم
«صراع في النيل».. حكاية فيلم بدأت بـ«كيزان ذرة» وأشعلت كواليسه هند رستم
من جلسة عادية على شاطئ الإسكندرية إلى كواليس تصوير شهدت مواقف كوميدية وأخرى عصيبة، يظل فيلم صراع في النيل واحدًا من علامات السينما المصرية، ليس فقط لقصته الشيقة، بل لما دار خلف الكاميرات من طرائف وخلافات، كشف عنها المخرج الكبير عاطف سالم في حوار لمجلة الكواكب عام 1960، فكيف بدأت فكرة هذا الفيلم، وما أبرز المواقف التي واجهت فريق العمل؟
في أحد أيام عام 1958، التقى الكاتب علي الزرقاني والمنتج جمال الليثي والمخرج علي سالم على شاطئ البحر في الإسكندرية، بدأت الجلسة بحديث عادي بينما انشغل كل منهم في تناول «كوز درة»، لكن بعد فترة قطع المخرج عاطف سالم الحديث قائلاً: «إيه رأيكم نعمل فيلم أحداثه تدور في مركب؟ بس تبقى في النيل مش البحر؟» ليرد الليثي: والله فكرة كويسة، بينما علق الزرقاني: صدق اللي قال إن معظم النار من مستصغر الشرر، وأحسن الأفلام من أبسط الفكر، وبعد انتهاء الجلسة والعودة إلى القاهرة، راح الزرقاني يضع الخطوط الأولى للفيلم الذي اختار له اسم صراع في النيل.
معركة حول اختيار البطلة
خلال أشهر قليلة انتهى الزرقاني من الكتابة لتبدأ مرحلة ترشيح الأدوار، وتبدأ معها أولى المشكلات، كما روى المخرج عاطف سالم لمجلة الكواكب في عددها الصادر يوم 5 أبريل 1960، إذ قال سالم إنَّه واجه مشكلة كبيرة في اختيار من ستؤدي دور نرجس، خصوصا بعد أن صمم المنتج جمال الليثي على أن هند رستم هي الأنسب، بينما أصر عاطف سالم على ضرورة اختيار راقصة محترفة، نظرًا لتكرار مشاهد الرقص خلال الأحداث، وهو ما جعله يرشح نجوى فؤاد، لكن بعد شد وجذب، مالت الكفة لرأي الليثي، وأُسند الدور لهند رستم، التي لم تكن على هوى عاطف سالم، ما أشعل بينهما المشكلات خلال التصوير، إذ كان سالم يقاطعها في مشاهد الرقص ويقول لها: «لو كانت نجوى، كانت عملته أحسن من كده»، كما حدث خلاف آخر خلال تنفيذ مشهد القفز في المياه بعد قتلها ضمن الأحداث، ورفضت تصوير المشهد بنفسها، وهو ما أغضب عاطف سالم، الذي قرر أخيرًا الاستعانة بدوبليرة، كادت تغرق في أثناء التصوير وتمّ إنقاذها في اللحظة الأخيرة.
الريس صابر.. بطل الكواليس
في مقاله بالكواكب والذي جاء تحت عنوان «الريس صابر رجل طيب» كشف عاطف سالم أنَّه تعاقد خلال التحضير للعمل مع مراكبي شهير من العياط يُدعى الريس صابر، ليؤجر لهم مركبًا ويشرف على الأمور اللوجستية، وحين أظهر الريس صابر وفريقه تفانيًا كبيرًا، قرر سالم إشراكهم في التصوير ليكون جزءا من فريق العمل.
وفي أول يوم تصوير، جلب فريق الإنتاج وجبة كباب وكفتة للجميع، بمن فيهم الريس صابر ورجاله، لكن عند الخامسة مساءً، توجّه صابر إلى سالم وسأله: «أستاذ، نقدر نروح نتغدا؟، لكن سالم تفاجأ وسأله: هو أنتم ما اتغدتوش؟ فأجابه صابر: لا محصلش، فعاد سالم إلى مسؤول الإنتاج الذي أكد أنهم حصلوا على الطعام، فقال سالم لصابر: مش الإنتاج جاب لكم أكل؟ ليرد صابر: أكل إيه؟ هي كور الفول السوداني دي غدا؟، فقال له سالم: دي لحمة يا عم صابر، قبل أن يجيبه صابر ساخرًا: إحنا رميناها في الميه للسمك، وبعدين لحمة إيه يا أستاذ؟ هو انت قالوا لك علينا صعايدة قوي؟ إحنا من العياط، يعني اترقينا شوية.
وفي يوم آخر، وُزعت وجبات الغداء في علب كرتونية، لكن الريس صابر لم يتناولها، بل قال لعاطف: أستاذ أحمد الحداد أول ما استلمها قالي: مبروك الكسوة الجديدة اوعى تفتحها إلا عند الترزي علشان دي جلابية من قماش غالي، فإحنا عايزين نروح نتغدا.
رصاص في الأقصر
بعد انتهاء التصوير في القاهرة انتقل فريق العمل إلى الأقصر لاستكمال التصوير، لكن الأمور هناك لم تكن سهلة، فالجمهور ـ كما يذكر عاطف في حواره للكواكب ـ كان يتجمع بأعداد كبيرة، ما أثار قلق سالم الذي قرر الاستعانة بالشرطة لحماية فريق العمل، وفي أحد الأيام، انفعل سالم على شاب من أبناء القرية جاء يشاهد التصوير، لكن الشاب لم يغضب، بل صار ودودًا، وعرض على الفريق تناول الغداء عند ابن عمه العمدة، وقتها شعر سالم بالقلق واعتقد أنها مكيدة للانتقام منه بعد المشادة، لكن أمام موافقة الجميع، لم يجد مفراً من الذهاب.
في قلب الصعيد
تحركت السيارات في طريق وعر إلى بيت العمدة، وهو ما تسبب في قلق بالغ ظهر واضحًا على وجه عاطف سالم، خاصة حين بدأت زراعات الذرة تملأ الأفق، وهي المعروفة في الصعيد بقصصها المتعلقة بجرائم القتل، وحين حاول البعض من فريق العمل تهدئة عاطف، وجدوا أصوات الرصاص تقترب منهم، بينما قال سالم لهم: «مش قلت لكم هو جايبنا علشان ينتقم؟، لكن الشاب أوضح لهم أن الغفراء يطلقون الرصاص لتخويف اللصوص، مضيفًا: «طول ما أنتم سامعين صوت الرصاص العادي، ما تقلقوش، لكن لو اتكتم الصوت، يبقى صابت حد فعلاً!، وهو ما جعل عاطف طوال الطريق يسأل بين لحظة وأخرى: «الرصاصة اللى سمعناها دي عادية ولا مكتومة؟».
وبعد لحظات مرعبة، وصلوا أخيرًا إلى منزل العمدة، وتحولت عزومة الغداء إلى عشاء فخم، قال عنه عاطف سالم: «العمدة كان عامل وليمة تكفي 100 بني آدم، صمم على أن ننهيها، فأكلنا لحد ما بطوننا اتنفخت، وفي نهاية الليلة اتخذت قرارا بأن يكون اليوم التالي إجازة لسببين: الأول الراحة من المشوار والخضة، والثاني محاولة هضم الأكل، اللي محتاج أسبوعين على الأقل».
