للذكرى وللذاكرة الوطنية (12).. الانقلاب الفاشل الذي أخفاه الإخوان أربعين عاما
فارق دقائق يفصل بين وصول أحد عناصر التنظيم الإرهابي إلى رئاسة الجمهورية وبين وصول عنصر آخر إلى وزارة الداخلية.. العنصران عادا إلى صوابهما في اللحظات الأخيرة وخرجا من أبواب الكلية الفنية العسكرية وقررا منفصلين الإبلاغ عن التحرك الذي سيبدأ بعد قليل!!
فترة من الوقت استغرقها إقناع حراسة الرئاسة والوزارة بجدية البلاغ.. في اللحظات الأولى لمثل هذه البلاغات يعتقد ضباط الحراسة أو جنودها أنهم أمام مختل عقلياً بما يستلزم استدعاء مسئول أكبر لديه قدرة إما على اتخاذ قرارات سريعة أو على الأقل التواصل مع أصحاب القرار!
على كل حال.. ربما ساهم تزامن البلاغين في قرار تحرك قوات من الأمن المركزي إلى مقر الكلية الكائن بين كوبري القبة وشارع صلاح سالم، لتكتشف القوة وجود تحرك فعلى قد بدأ يخطط لاقتحام الكلية بعناصر من خارجها والحصول على ما بها من أسلحة ثم الاستيلاء على بعض المصالح الحيوية، ومنها مبنى الإذاعة والتليفزيون ومقر الاتحاد الاشتراكي، الذي قيل إن الرئيس السادات سيحضر اجتماعاً به ثم اغتيال كل المجتمعين!
قادة التنظيم صالح سرية وكارم الأناضولي وأبو طلال الأنصاري وأحمد صالح ومصطفى يسري.. أعدوا بالفعل البيان الذي سيذاع بمناسبة نجاح العملية، يثبت سذاجة تفكير وعقل قائده وكل من فيه.. فإسقاط نظام فى مصر بقوة بسيطة وبأسلحة خفيفة وبالسرعة التى تصوروها شكل من أشكال «العبط»، يؤكده البيان الذى أعده صالح سرية، وكان موقعاً بعبارة «رئيس الجمهورية»!! ليس «قائد الحركة» أو «قيادة التغيير» أو حتى «الرئيس المؤقت»!!
على كل حال. فشلت العملية ولكنها خلفت ١٧ قتيلاً و٦٥ مصاباً، وبالطبع القبض على عناصره وسجنوا مع أحكام بالإعدام على ثلاثة منهم، وخفف الحكم إلى المؤبد لطلال الأنصارى الذى نتوقف عنده.. تخفيف الحكم جرى لاعتبارات ووساطات تخص والده الشاعر السكندرى وورد فيها اسم فنان كوميدى شهير قيل إنه صاحب الوساطة التى أدت إلى تخفيف الحكم الذى أنهى عمليات إرهابية لتنظيم جهادى يتبع فكراً إجرامياً متطرفاً.. لكن سر توقفنا هو ما جرى فيما بعد!
ففى عام ٢٠٠٦ يتفاجأ القارئ المصرى والعربى والباحثون المعنيون بشئون الجماعات الدينية والإرهاب بصدور كتاب بعنوان «صفحات مجهولة من تاريخ الحركة الإسلامية المعاصرة - من النكسة إلى المشنقة».. المؤلف هو أبوطلال الأنصارى، المتهم الثالث فى حادث «الفنية العسكرية» نفسه!! فى المذكرات يقول «الأنصارى» إنه بايع مرشد الإخوان فى بيته بحى المنيل. وإن قائد التنظيم صالح سرية إخوانى سبقه للبيعة!!
في موسوعة المحامي البارز مختار نوح، الذي اتجه قبل سنوات طويلة للبحث والدراسة في ظواهر العنف والتطرف، ويروي نوح أن الأنصاري نفسه عقب الإفراج عنه كان يزوره بمكتبه، وفى إحدى الزيارات لمح مسودة أحد الكتب التى تبرئ الإخوان من العنف.. فاختلف الأنصارى معه ليفرغ له ما عنده كله، فيقول وفق كلام نوح: «صالح سرية كان مقيماً فى بيت زينب الغزالى هو وأسرته.. تنفق عليهم وترتب أمورهم.. وكان إخوانجياً بايع الهضيبي، الأخير راجع خطة التنظيم واتفقوا على إنكار صلة الجماعة لو فشلت العملية»!!!
التفاصيل هنا كثيرة.. أكبر من المساحة المخصصة للمقال فضلاً عن رغبتنا فى عدم تشتيت القارئ فى تفاصيل قد تشوش على الفكرة الأساسية وهى خديعة الإخوان لشعبنا ما يقرب من أربعين عاماً، اعتقد الجميع أن وراء حادث الفنية العسكرية تنظيماً جهادياً. وأن الإخوان لا يمارسون العنف.. وأنهم لا علاقة لهم بالحادث!!
وكان ذلك كله أوهاماً في أوهام.. ويبقى سؤالنا الجوهري: ما الجهة التي كلفت «سرية» بالمجىء إلى مصر وهو العراقي من جذور فلسطينية؟! وما الجهة التى كلفت زينب باستقباله والإنفاق عليه؟! هل هو الهضيبى؟. بالقطع لا، ففى التفاصيل أن زينب هى من عرّفته به وقدمت «سرية» له!!!
هل هو التنظيم الدولى للإخوان؟ أيضاً لا.. فالتنظيم الدولى تأسس رسمياً بعد ثمانى سنوات من حادث الفنية العسكرية وعشر سنوات على بيعة صالح سرية للهضيبى!!! إذن من يا ترى؟! من؟!
للحديث بقية