الروائي العراقي زهير كريم: «رفيف الفراشة» تمرد على المألوف.. والسرد طريقنا لمقاومة النسيان

كتب: ياسر الشيمي

الروائي العراقي زهير كريم: «رفيف الفراشة» تمرد على المألوف.. والسرد طريقنا لمقاومة النسيان

الروائي العراقي زهير كريم: «رفيف الفراشة» تمرد على المألوف.. والسرد طريقنا لمقاومة النسيان

فى زمن الانهيار، حين تضيق اللغة وتُختزل الحكايات فى شعارات، يصرّ الروائى العراقى «زهير كريم» على أن يبقى الأدب صوتاً فردياً، لا يخاطب الجماهير، بل يفتش عن المعنى وسط الركام، يكشف «كريم»، فى هذا الحوار العميق مع «الوطن»، خيوطاً كثيفة من وجع المنفى، وأسئلة الانتماء والكتابة، لا يكتفى بسرد تجربة أدبية، بل يقدم تأملاً شجاعاً فى ما يسميه «متاهة الإنسان»، حيث تختلط السياسة بالحب، والمنفى بالهوية، والكتابة بالخسارة.. وفيما يلى تفاصيل الحوار:

■ كيف ينعكس «الخطاب الميتا سردى» وتحولات التقنيات السردية الحديثة على فهمنا لطبيعة رواية «رفيف الفراشة» وحدودها الفنية؟

- هناك خطاب ميتا سردى، وهى اللقطة الأقرب والأكثر وضوحاً، مؤلف «رفيف الفراشة» يعثر على لفيفة، أربعين صفحة من المذكرات الشخصية، يعالجها لكى تتحول إلى رواية، فى النهاية، نحن نواجه خطاباً يعرض ما تنطوى عليه النصوص السردية الحديثة من تقنيات، نناقش أيضاً فرط التخلى عن الأدوات القديمة، التى رافقت طفولة الرواية، أو مراحلها الكلاسيكية، أو حتى تلك التى كُتبت قبل خمسين عاماً، الأمر هنا لا يتعلق بالأفضل أو الأكثر جدية أو الأكثر دهاءً أو الأكثر جودة أو الأكثر تأثيراً، بل بالزمن الذى تنطوى حركته على تحولات، الأشياء تتغير، ونحن أيضاً، تتغير تصوراتنا الفلسفية عن العالم، وتتغير وفق ذلك طبيعة تلقينا للفن، واستجاباتنا للجماليات التى ينتجها النص الأدبى بكل أشكاله، منتمين إلى فضيلة التمرد، وهى السمة الأخلاقية للأدب.

■ هل نجحت فى إحداث مستوى سردى متداخل دون إرباك القارئ؟

- هناك شىء يمكننى أن أسميه المتاهة، وهناك الفخاخ أيضاً، نحن كبشر نحتاج إلى هذا التداخل بنسبة ما، فالحياة نفسها لا تخلو من التوافقات الغامضة، بعض الكتّاب يستجيبون لإغواء يتعلق بإرباك القارئ من خلال التجريب السطحى الذى لا يستند إلى مرجعيات ثقافية أو حاجات جمالية، دعنى أُسمِّه العبث، لأنه يفتقد المرجعيات التى تسوغ وتضبط ديمومته، بالنسبة لى، لا أحب نصب الفخاخ، لا أفكر باصطياد القارئ بآلة المفاجآت وإخفاء ما يحتاجه لكى يكمل سيره، نعم، أحتاج إلى هذا الشىء فقط للحفاظ على أسرار اللعبة السردية حتى النهاية.

■ ما دلالة اختيار «طرابلس الليبية» كمكان محورى فى الرواية؟

- اختيار المكان فى العمل الأدبى له مسوغاته بالطبع، وهو أحد مرتكزات النص السردى، هناك قضية أيضاً تتعلق بحضور المؤلف فى نصه بطريقة ما، لا أتحدث هنا عن الميتا سرد، حيث يظهر المؤلف بشكل صريح، مفسراً للعمل ومراحل تشكّله، بل أتحدث عن الزوايا الخفية التى يتسلل منها المؤلف إلى نصه، فى حالة الوعى أو اللاوعى، لقد عشت فى طرابلس لسنوات، والحدث الجوهرى فى «رفيف الفراشة» حقيقى جداً، حدث فعلاً فى عام 1982، والشخص الذى قام بتوزيع المنشورات هو صديق لى، إذاً، لا توجد دلالة أبعد من ذلك فى اختيار المكان، أما عن تجربة المنفى فى الرواية، فهى أكثر تعقيداً من أى تجربة أخرى، هناك متاهة وجودية، وحالة من الفقدان مضاعفة، الأولى تتعلق بالزمن بوصفه محدداً بالحاضر فقط، مما يعنى أن الماضى -وهو الوطن- غير موجود، والمستقبل كذلك، أعتقد أن تجربة «كامل» تنطوى على سؤال يتصدى لقضية وجودية أكثر من كونها قضية شعور بالمنفى ببعده الجغرافى، فالمكان الجغرافى تجربة يشترك بها جميع المهاجرين، لكن «كامل» مختلف فى هذا النص، إنه يبحث عن المكان المستحيل، ولا يمكن له الاستمرار بالبحث دون وجود منفى دائم.

■ كيف تعكس قصة «كامل وحنان» الصراع بين الحلم السياسى والحلم الشخصى؟

- السياسة فى «رفيف الفراشة» جزء أساسى من بنية النص، لقد هرب «كامل» خوفاً من الموت، ومُنيت «حنان» بالهزيمة، فى النهاية لم تعد للمقاومة جدوى، أنا أتحدث عن الرعب، عن التعذيب، عن الفنون السادية، وعن الموت أيضاً، يبدو أن البشر وهم بعيدون عن كرسى السلطة، لن يكونوا هم أنفسهم عند الاقتراب، ثمة شروط وإكراهات، صعوبات وإغراءات للكرسى، أتحدث هنا عن نوع من الأساليب التى تحكم العلاقة بين السلطة والناس، الطريقة التى جربناها نحن فى الشرق، فى العالم الغربى، الأمر مختلف، رغم ذلك لا يمكن الوثوق بالبشر الذين يقتربون من الكرسى، سوف تنهار لدينا كل معرفة بهم، هم أيضاً سوف يكتشفون أنهم لا يشبهون أنفسهم.

■ أيمكن قراءة الرواية كتأمل فى فشل المشاريع الثورية على المستوى الفردى؟

- واقعياً لا يمكننا نكران طبيعة التحولات التى حدثت بعد عام 1990، انهيار نظام الأقطاب، وانهيار الشعار، وتفكك خطاب الثورة، وانهيار المشاريع الثورية، «كامل» ليس بطلاً، و«حنان» كذلك، أنا أتحدث عن الضحايا، فى هذا العمل وفى أعمال أخرى، أنا أتعاطف شخصياً مع «كامل»، مع «حنان» بدرجة أقل لأنها متورطة، وعليها تحمل جزء من المسئولية، أما «كامل» فقد واجه موقفاً صعباً، انقسم لصوتين يتحاوران فى كيفية العيش، فى النهاية انتصرت الحماقة والحماسة، هل كانت فعلاً حماسة، «كامل» نفسه تجاوز الإجابة، اكتشف طريقة أفضل من جلد الذات، الحل بالنسبة له نسيان الماضى، وعدم انتظار المستقبل، الحاضر لا بأس به، هكذا قال لنفسه وتحرك على هذا الأساس، حتى شعوره أن «حنان» وطأته، كان ضاغطاً فى البداية، لكنه أهمله، أراد أن يقبض على حلم واحد، واحد فقط، لكى يستطيع أن يواصل الرحلة.


مواضيع متعلقة