رفعت رشاد يكتب: هاكامادا.. والعدالة الذبيحة

رفعت رشاد

رفعت رشاد

كاتب صحفي

تعد حكاية الملاكم الياباني إيواو هاكامادا، واحدة من أكثر القصص المأساوية في تاريخ القضاء، التي أصبحت رمزًا لمظلومية المحاكمات غير العادلة. وُلد هاكامادا عام 1936، وكان ملاكمًا مشهورًا. بعد اعتزاله، عمل في أحد المصانع. في 1966، وُجد مدير المصنع مقتولًا مع زوجته وطفليهما في منزلهم. ألقت الشرطة القبض على هاكامادا، مدّعية أنها وجدت ملابسه الملطخة بالدماء في خزانة بجانب المصنع. تم استجوابه لمدة 264 ساعة على مدار 23 يومًا متواصلة دون حضور محامٍ، فاعترف تحت وطأة الضغط والتعذيب الجسدي والنفسي بالجريمة. لكنه ما لبث أن تراجع عن الاعتراف مؤكدًا أنه انتُزع منه بالإكراه.

في 1968، حُكم عليه بالإعدام. قضى هاكامادا عقودا في زنزانة الإعدام، وهي أطول فترة قضاها محكوم عليه بالإعدام في العالم. كان يعيش يوميًا في رعب منتظرا تنفيذ الحكم. وفي عام 2007، بدأت حملة قوية لإعادة فتح قضيته، قادتها شقيقته ومناصرون لحقوق الإنسان، بجانب محاميه الجديد.

في 2014، أمرت محكمة بإطلاق سراحه مؤقتًا بعد أن أظهرت اختبارات DNA أن الدماء على الملابس التي زُعِم أنها كانت دليل الإدانة لا تتطابق مع دماء الضحايا. وفي 2023، قضت المحكمة العليا اليابانية بإعادة محاكمته رسميًا. وفي 2024 تم تبرئته بعد أن أمضى من حياته 58 عاما في المحاكم والسجن. سلطت قضية هاكامادا الضوء على الظروف السلبية للعدالة في دولة متقدمة. كما أصبحت نموذجًا لحملات العفو الدولية والمنظمات الحقوقية لإلغاء عقوبة الإعدام في اليابان.

ليست قصة بريء أُدين ظلمًا، بل مرآة للعدالة الذبيحة، وقصة صمود إنساني مذهلة أمام القهر النفسي والجسدي. قضيته تصرخ في وجه الظلم في كل مكان، فهل يوجد شيء مهما كانت قيمته يعوض هاكامادا عن 58 عاما من عمره أمضاها في السجن! أو حتى عن يوم واحد أمضاه في انتظار إعدامه. والأسئلة التي لا إجابة عليها: من القاتل الذي عاش طليقا مستفيدا من جريمته؟ وهل يمكن محاسبة النظام الشرطي والقضائي الذي أهدر حياة الرجل؟