«خناقات» في الكواليس وتهديدات بالقتل.. أسرار فيلم «جميلة» الذي لم يعجب بطلته الحقيقية
«خناقات» في الكواليس وتهديدات بالقتل.. أسرار فيلم «جميلة» الذي لم يعجب بطلته الحقيقية
بعد نجاح فيلم «أين عمري» عام 1956، بدأت الفنانة والمنتجة ماجدة رحلة بحث مرهقة عن قصة جديدة تقدمها للسينما.
ووسط حالة من اليأس، لفت انتباهها خبر في إحدى الصحف عن «القبض على المناضلة الجزائرية جميلة بوحيرد»، لتصبح هذه القصة نقطة التحول في حياتها الفنية، حيث بدأت ماجدة تتابع أخبار جميلة باهتمام بالغ، وتطلب من أصدقائها تزويدها بأي مواد أو تقارير تنشرها الصحف العالمية عن المناضلة الجزائرية.
يوسف السباعي يفتح الباب
بعد أن جمعت ماجدة كل المواد الصحفية الخاصة بجميلة، توجهت بها إلى الكاتب يوسف السباعي، وطلبت منه كتابة قصة فيلم عنها، فرحب بالفكرة، ومن خلاله حصلت ماجدة على دعم اللجنة العليا لتحرير الجزائر المتواجدة في مصر، والتي زودتهم بمواد علمية عن حياة جميلة.
بعد انتهاء السباعي من كتابة القصة، استعانت ماجدة بثلاثة من أعظم كتاب السيناريو آنذاك: نجيب محفوظ، علي الزرقاني، وعبدالرحمن الشرقاوي، والذين انتهوا من كتابة السيناريو في وقت قياسي.
أزمة مع عز الدين ذو الفقار
بعد الانتهاء من كتابة السيناريو، تعاقدت ماجدة مع المخرج عز الدين ذو الفقار على إخراج الفيلم، وخلال جلسة جمعت بينهما، فوجئت ماجدة بإجراء عز الدين لتعديلات على السيناريو لربط قصة جميلة بواقع مصر السياسي آنذاك، وهو ما رفضته ماجدة بشكل قاطع، واعتبرت أن هذا الربط سيحدث خللًا في الرؤية الإبداعية للفيلم، خاصة وأنها استعانت بأكبر الأسماء في الكتابة.
وعندما أصر عز على تعديلاته، ردت ماجدة عليه بقوة، وقطعت المشاهد التي كتبها بنفسه وألقت بها من نافذة مكتبه، ما أثار غضبه.
تكشف ماجدة تفاصيل ما جرى في مذكراتها وتقول: «تمسك عز بموقفه وقال إنه المخرج ومن حقه أن يتمسك برأيه، فقلت له: وأنا المنتجة والبطلة ومتمسكة برأيي، فقال: وأنا مش هخرج الفيلم إلا بالتعديلات اللي فيه، وهنا وصلنا للذروة، فأمسكت بالسيناريو وقطعت المشاهد التي كتبها عز بنفسه ورمتها من شباك مكتبه، فوجدته في قمة غضبه يقول: إزاي ترمي اللي كتبته من الشباك؟ فقلت: وأرمي أي حاجة تقف قدام مشروعي، فقال وقد زادت ثورة غضبه: إنتِ يا اللي لسه مطلعتيش من البيضة تقفي قدامي وتتحديني؟ فقلت بمنتهى التحدي: وأقف قدام جبل، أنت مين يعني؟».
مع احتدام الخلاف بين الطرفين، قرر عز الانسحاب من الفيلم، تاركًا ماجدة أمام ورطة كبيرة قبل بدء التصوير بخمسة أيام فقط، رغم أنها كانت قد شيدت ديكورات ضخمة في ستديو مصر كلفتها 100 ألف جنيه.
يوسف شاهين.. بداية توتر جديد
عند الثانية صباحًا من يوم الأزمة، اتخذت ماجدة قرارها بإسناد مهمة الإخراج إلى يوسف شاهين، والذي التقته في اليوم التالي وناقش معها رؤيته، مقترحًا تعديلًا جوهريًا على شخصية البطلة، حيث رأى أن جميلة يجب أن تُقدَّم كفتاة هادئة ومسالمة في البداية، قبل أن تتحول تدريجيًا إلى مناضلة وثائرة، في تطور درامي منطقي، وبعد مناقشات مطولة، وافقت ماجدة على رؤيته وتم تعديل السيناريو.
خلافات حادة بين ماجدة وشاهين في الكواليس
مع بداية التصوير، بدأت الخلافات تتصاعد بين ماجدة ويوسف شاهين، فقد كانت ماجدة ترغب في تقديم فيلم يفهمه الجمهور، بينما كان أسلوب شاهين يميل إلى الرمزية والتعقيد، ورفضت ماجدة ـ كما جاء في مذكراتها ـ أن تكون مجرد «أداة» لتنفيذ رؤيته، بل أرادت الحفاظ على طريقتها في الأداء، وهو ما أثار خلافات متكررة بينهما، وصلت إلى درجة الخلاف على نوع العدسة المستخدمة في أحد المشاهد.
تطورت الأمور حتى وصلت إلى حد القطيعة التامة، بحيث كان كل منهما يرسل تعليماته للطرف الآخر عبر مدير التصوير عبدالعزيز فهمي، الذي انهار في النهاية من التوتر ووقع مغشيًا عليه.
وفي أحد الخلافات، قام يوسف شاهين بإخفاء نيجاتيف مشاهد مصورة من الفيلم، قائلًا: «خليها تدور عليا بقى».
تدخل أمني ولجنة متابعة لإنقاذ الفيلم
في تلك الأثناء اختارت ماجدة التصعيد مع يوسف شاهين، فتقدمت بشكوى للجهات الأمنية، التي استدعت شاهين وأوضحوا له أهمية الفيلم ومكانة ماجدة، التي لم تكن تتلقى دعمًا من أحد، فتقبل يوسف التوجيهات، وعاد لاستكمال التصوير، تحت متابعة لجنة خاصة لضمان سير العمل، وكان من بين أعضائها إيهاب نافع، الذي ستنشأ بينه وبين ماجدة قصة حب لاحقًا، تنتهي بإعلان زواجهما.
الفيلم يكتمل.. ويثير العالم
رغم كل الخلافات والعقبات، اكتمل فيلم «جميلة» أخيرًا، وتم تنظيم عرض خاص حضرته اللجنة العليا لتحرير الجزائر وأحمد بن بيلا، الذي أصبح لاحقًا أول رئيس للجزائر، وقد حقق الفيلم نجاحًا كبيرًا في مصر، وعدد من الدول العربية التي عرض فيها، فيما ذكرت ماجدة في مذكراتها، أنها تلقت بسببه عدة تهديدات بالقتل، واندلعت مظاهرات في البلاد التي عرض فيها الفيلم، وتحرك الرأي العام العالمي تحت تأثير العمل، فيما بدأت فرنسا ـ بحسب ماجدة ـ تتعرض لضغوط واسعة انتهت بإلغاء قرار إعدام جميلة بوحيرد.
جميلة لم يعجبها الفيلم
وفي عدد 21 فبراير 1961 لمجلة «الكواكب»، كشف الكاتب فوميل لبيب عن رأي جميلة بوحيرد في فيلم ماجدة، حيث أكد أنه التقاها في الجزائر، وكانت المفاجأة الأولى بالنسبة له أنها لم تشاهد الفيلم، ورغم ذلك لم يعجبها، حيث قالت: «أنا لم أرَ الفيلم، ولكني أصدق إخوتي الذين شاهدوه وقالوا إنه مليء بالمبالغات، ثم إنني أعترض على فكرته من حيث المبدأ، فإن في الجزائر 5 ملايين جميلة بوحيرد، فيها 5 ملايين ذقن العذاب مثلها وقدمن التضحية طواعية واختيارًا، فلماذا أحتكر كل هذا الصيت ولماذا تعطونني ما لا أستحق؟ هناك عشرات قدمن التضحيات أكثر مما قدمت، إنني أعيش ولكن بعضهن استشهد، فمن الذي يستحق التمجيد؟».