ترامب وماسك.. صدام البليونيرات وأثره على السياسة
فى مشهد غير مألوف حتى على المسرح السياسى الأمريكى المتخم بالمفاجآت دوماً، اشتعلت الساحة مؤخراً بخلاف حاد بين الرئيس الأمريكى دونالد ترامب والبليونير إيلون ماسك، رغم دعم الأخير حملة ترامب بمائتين وخمسين مليون دولار، وذلك على خلفية قانون ضريبى اقترحه ترامب يسعى إلى فرض ضرائب استثنائية على كبار الأثرياء وملاك شركات التكنولوجيا. غير أن الخلاف لم يبق فى إطاره الاقتصادى، بل تمدد ليلامس حدود الصدام السياسى والشخصى، خصوصاً بعدما أعلن ماسك، عبر منصته «إكس» أنه بصدد تأسيس حزب جديد باسم «حزب أمريكا» - يطمح إلى كسر احتكار الحزبين الديمقراطى والجمهورى للساحة السياسية وفتح طريق ثالث أمام الناخبين الأمريكيين.
إطلاق ماسك فكرة «حزب أمريكا» ليس مجرد رد فعل غضبى، بل هو -كما يبدو- جزء من رؤية أوسع يسعى فيها الملياردير التكنولوجى إلى استثمار شعبيته الكبيرة، خاصة بين الشباب والليبراليين المتشككين فى فاعلية النظام الحزبى الثنائى. فى منشوراته الأخيرة، تعهد ماسك بأن يكون حزبه الجديد منصة للعلم والابتكار والحرية الفردية، بعيداً عن أيديولوجيات اليمين المتطرف أو يسار الدولة العميقة، كما سماها.
رغم الحماسة الإعلامية المحيطة بالفكرة، فإن التجربة الأمريكية تُظهر أن الطريق أمام الحزب الثالث يكون محفوفاً بالفشل، فقد شهدت أمريكا عدة محاولات لتأسيس تيارات سياسية ثالثة -من حزب الثور التقدمى بقيادة ثيودور روزفلت فى أوائل القرن العشرين، إلى حزب روس بيرو فى التسعينات- إلا أنها سرعان ما تلاشت تحت سطوة الحزبين الكبيرين.
ترامب لم يتأخر فى الرد، فقد هدد فى تصريحات نارية بأن ماسك إذا تمادى فى التلاعب بالمشهد السياسى الأمريكى فسنُعيده إلى جنوب أفريقيا حيث وُلد. هذا التهديد يكشف عمق الهوة بين الرجلين، وهو ليس مجرد خلاف حول الضرائب، بل يمثل صراعاً على النفوذ والشرعية الشعبية داخل أمريكا الجديدة التى تعيد تشكيل نفسها سياسياً واقتصادياً.
تشير البيانات والاستطلاعات إلى أن حوالى 40% من الناخبين الأمريكيين لا يشعرون بانتماء حقيقى لأى من الحزبين التقليديين، ما يعكس رغبة مكبوتة فى بديل ثالث. إلا أن النظام الانتخابى الأمريكى -القائم على «الفائز يأخذ كل شىء» فى أغلب الولايات- يجعل من الصعب على أى حزب ثالث أن يحصل على تمثيل حقيقى.
قد ينجح ماسك فى تحريك المياه الراكدة، لكنه لن يكسر احتكار الحزبين بسهولة، إلا إذا وقع تحول هيكلى كبير فى الثقافة السياسية الأمريكية، أو حدث انشقاق داخلى كبير فى أحد الحزبين الحاليين.
فى المقارنة مع النموذج البريطانى، نجد أن تجربة الحزب الثالث فى المملكة المتحدة -حزب الأحرار- قد مرت بدورة حياة شبيهة. فقد وصل الحزب إلى ذروة التأثير فى بداية القرن العشرين، لكنه خفت لاحقاً مع صعود حزب العمال وتصلب الثنائية بين المحافظين والعمال.
تصريح ترامب بأن ماسك «يريد أن يصبح رئيساً» قد لا يكون بعيداً عن الواقع، ومع أن الدستور الأمريكى يشترط أن يكون الرئيس مولوداً فى الأراضى الأمريكية -وهو ما يمنع ماسك من الترشح رسمياً- إلا أن ما يهم فى السياسة أحياناً ليس النصوص، بل الرموز. ووجود شخصية مثل ماسك فى المشهد السياسى، حتى دون ترشح مباشر، كفيل بإرباك الحسابات وتوجيه الرأى العام.
من المتوقع أن يزداد الخلاف بين الرجلين حدة كلما اقتربت الانتخابات المقبلة، خصوصاً إذا قرر ترامب العودة رسمياً للسباق الرئاسى. وقد يستخدم ماسك نفوذه الإعلامى والتكنولوجى -من خلال «إكس» و«ستارلينك» و«تسلا»- لحشد قاعدة جماهيرية ضد ما يصفه بـ«الديكتاتورية الحزبية».
أما ترامب، فمن المرجح أن يصعّد من لهجته، خصوصاً إن شعر بأن ماسك يسحب من تحت قدميه جمهوراً مهماً من الشباب ورواد الأعمال.
الصدام بين ترامب وماسك ليس مجرد خلاف شخصى، بل مؤشر على تحولات عميقة فى السياسة الأمريكية. وقد تشهد المرحلة المقبلة مزيداً من «شعبوية التكنولوجيا» مقابل «شعبوية السياسة».