مخطط «حفريات البلدة القديمة».. البحث عن الهيكل المزعوم ذريعة تل أبيب لتنفيذ الاستيطان والتدمير
مخطط «حفريات البلدة القديمة».. البحث عن الهيكل المزعوم ذريعة تل أبيب لتنفيذ الاستيطان والتدمير
تحقيق: محمد علي حسن وماريان سعيد
فى قلب البلدة القديمة، حيث يعانق التاريخ الحجر، وتنطق الأزقة باسم من سكنوها منذ آلاف السنين، تتسلل أيدٍ خفية تحت الأرض، لا تنقّب عن أثر، بل تحفر فى هوية مدينة، محاولة تغيير واقعها الجغرافى وتشويه تاريخها المحفور فى العالم.
ولاء أبوعصب، المستشارة القانونية فى دائرة شئون القدس بمنظمة التحرير الفلسطينية، تعرف الطريق جيداً، لا تسير فيه بخطى المرتابين، بل بوعى العارف أنّ المدينة لم تُحتل مرة واحدة، بل تُهدم فى صمت، طبقة طبقة، منذ عام 1967 وحتى هذه اللحظة، وتقول إنّ الحفريات التى تتم أسفل البلدة القديمة، وصولاً إلى حى سلوان ليست عملاً معزولاً أو علمياً، بل سياسة إسرائيلية ممنهجة بدأت بهدم حى المغاربة، وتستمر اليوم بهدم منازل الفلسطينيين فى سلوان، بذريعة البحث عن الهيكل المزعوم، ولتنفيذ مخطط «القدس الكبرى»، الذى يضم الحوض المقدس ضمن الأهداف الصهيونية، مؤكدة أن ما يجرى لا يستهدف الحجر فقط، بل يهدف إلى هز صمود المقدسيين، ويغير ملامح المدينة، ويهدّد الآثار الإسلامية والمسيحية معاً، فما تقوم به إسرائيل مخالف للقانون الدولى، وتحديداً لاتفاقية جنيف الرابعة التى تحظر على دولة الاحتلال تدمير الممتلكات العامة والخاصة، رغم أن اليونيسكو أرسلت لجنة تقصى حقائق، وقررت بوضوح عدم ارتباط المسجد الأقصى وحائط البراق بالديانة اليهودية، فإنّ غياب أدوات التنفيذ الفعلية جعل من هذه القرارات حبراً على ورق.
بنبرة يملأها الأسى، تحدّثت «ولاء» لـ«الوطن»، إذ تعتقد أن القدس لم تعد بحاجة إلى لجان تقصٍّ، بل إلى لجان تحقيق وعقوبات حقيقية، إسرائيل تهدم المدينة الأصلية بدهاء، دون أن تمس بشكل مباشر الأماكن التراثية، لكنها تجعل سطحها هشّاً، قابلاً للانهيار فى أى لحظة، والجميع يعلم أن ما يحدث ليست له أى غاية علمية أو أثرية، إنما مشروع استراتيجى طويل الأمد، وشارف على الاكتمال، يهدف إلى إثبات «الحق التاريخى والدينى» لليهود فى المدينة المقدّسة، عبر إيجاد الهيكل المزعوم، وبالتالى تحويل القدس إلى العاصمة الأبدية لهم، ونزع الشرعية الإسلامية التدريجية عن المسجد الأقصى، فالمخطط الاستراتيجى المتكامل طويل الأمد، وتحديداً منذ عام 1967 حتى الآن، ربما شارف على الانتهاء لتحقيق عدة أهداف سياسية تهويدية ودينية لإثبات ملكية القدس لليهود، أى أحقية اليهود فى المدينة بعد العثور على الهيكل المزعوم، وإثبات أن القدس العاصمة الأبدية لليهود تاريخياً ودينياً.
وتشير «أبوعصب» إلى الرواية التوراتية التى ترى أن النبى داوود عليه السلام أسّس مملكته فى أورشليم قبل 3000 عام، وأن ابنه سليمان بنى الهيكل على جبل موريا، وهو الجبل نفسه المقام عليه المسجد الأقصى المبارك، وتعرّض الهيكل للدمار مرتين فى عام 586 ق.م، والمرة الثانية عام 70م، وتبرّر هذه الرواية غايات سلطات الاحتلال بالسيطرة على مدينة القدس، بهدف إنشاء وطن قومى لليهود، وعاصمته الأبدية القدس، وبالتالى نزع تدريجى لشرعية السيادة الإسلامية على المسجد الأقصى المبارك، وهذا ما تحاول الوصول إليه بالتقسيم الزمانى والمكانى للمسجد الأقصى المبارك.

«صراع وجودى»، بهذا الوصف وصفت «أبوعصب» الأوضاع فى البلدة القديمة، فكل مقدسى يربطه انتماء إلى الأرض والوطن والدين وارتباط أهل المدينة بالمسجد الأقصى المبارك وكنيسة القيامة، فكل حجر فى مدينة القدس يروى قصة وعبرة، ولكن وسط كل هذا تبرز التشقّقات والانهيارات البنيوية وتصدّعات الجدران فى البلدة القديمة وسلوان، وسط رفض تام من سلطات الاحتلال بإصدار تراخيص ترميم، وتتحدّث عن عام 2013م، حيث بدأ أهالى حى القرمى بجلب مهندسين لإيجاد حلول للتصدّعات والتشقّقات الموجودة فى البيوت نتيجة الحفريات الإسرائيلية بهدف إنشاء أنفاق تربط البلدة القديمة مع حائط البراق و«مدينة داوود»، وأوصى المهندسون بضرورة إخلاء البيوت وتصنيفها من المبانى الخطرة الآيلة للسقوط، وتوالت إنذارات الإخلاء من بلدية الاحتلال.
بلغ عدد المتضرّرين فى حى القرمى بالبلدة القديمة 28 عائلة هجروا من بيوتهم لمدة عام ونصف العام، منهم عائلة غانم والسلايمة والقدومى، حيث تولت جمعية الرفاه والتطوير بدعم من البنك الإسلامى للتنمية والبعثة التركية «تيكا»، ترميم المنازل المتضرّرة، وقامت بعض السلطات بدفع إيجار بيوت للعائلات المتضرّرة عدة أشهر، كتعزيز صمود للمقدسيين داخل المدينة، وفى عام 2019م، وبالتزامن مع افتتاح نفق «درب الحجاج» أسفل حى وادى حلوة فى سلوان تضرّر أكثر من 80 منزلاً عائداً للمقدسيين نتيجة الحفريات، منها 5 منازل صنّفت بأنها مبانٍ خطرة، بالإضافة إلى انهيار ملعب حى وادى حلوة وسورة التابع لكنيسة الروم الأرثوذكس نتيجة المسار المفتوح المخصص للنفق.
وتوضح «أبوعصب» مدى خطورة الحفريات، إذ تُشكل تهديداً مباشراً للمعالم التاريخية والإسلامية، خاصة المسجد الأقصى المبارك، حيث زعزعت الحفريات البنية التحتية للأقصى، وتتذكر تساقط حجارة من سور المسجد الجنوبى عام 2004م، والشقوق فى المصلى القديم، وتصدعات فى البلاط والجدران الخارجية للمسجد والمصلى المروانى، مشيرة إلى أنها آلية لطمس الرواية الإسلامية وبناء رواية توراتية دينية يهودية عن طريق إنشاء طريق الحجاج التوراتية للمعبد ومدينة داوود، أى خلق رواية دينية بديلة وتركيز للمسارات السياحية لكل الوافدين الأجانب، فيما شمل التهويد أيضاً القصور الأموية جنوب الأقصى، وحمام العين وبوائك المسجد والمدارس والمصاطب التاريخية.
وتستكمل «أبوعصب» حديثها لـ«الوطن»: «بمساعدة باحثين مقدسيين وناشطين ومؤسسات أهلية نقوم فى الدائرة القانونية برصد الانتهاكات والممارسات الإسرائيلية وتحويلها إلى دراسات بحثية قانونية وسياسية واقتصادية واجتماعية تخرج بتوصيات تُرفع إلى الجهات المختصة مع الحفاظ على أمن وسلامة المواطن من أى تحقيقات من جانب سلطات الاحتلال». وأقر مركز كيدم للزوار رسمياً فى 2017، بجوار باب المغاربة بتمويل من «جمعية إلعاد»، وهو يهدف إلى شرح الرواية التوراتية للزوار الأجانب، ويضم متحفاً تحت الأرض يشرح تاريخ الهيكل، وهو ما لقى اعتراضاً من اليونيسكو ودائرة الأوقاف، أما عن خطة القدس 5800، فتقول «أبوعصب» إنها رؤية مستقبلية للقدس بدعم من وزارة السياحة الإسرائيلية تهدف إلى توسعة شبكة الأنفاق وربطها بمشاريع سياحية وخدماتية ضمن ممرات سياحية أمنية تحت الأرض، وسربت الرؤية عام 2011م، وأنها تنفّذ تدريجياً، والأحدث هو أنفاق ساحة البراق التحتية الجديدة، ومشروع جسر باب المغاربة الجديد 2022.
وتختص دائرة شئون القدس فى منظمة التحرير الفلسطينية بالدراسات والأبحاث الأكاديمية التى تعكس واقع مدينة القدس وما تعانيه، من خلال رصد انتهاكات وممارسات إسرائيلية، وتأثيرها على القدس والمقدسيين والقضية الفلسطينية وعقد ندوات وورشات عمل ولجان مختصة، للخروج بتوصيات للجهات المختصة لاتخاذ الإجراءات اللازمة للتنفيذ أو الدعم القانونى أو اللوجيستى، وتم رفع الكثير من الدعاوى القانونية المتعلقة بالحفريات والأنفاق الإسرائيلية فى القدس الشرقية بشكل عشوائى أو فردى أو جماعى من المتضرّرين، سواء أمام المحاكم الإسرائيلية أو عبر آليات القانون الدولى، لكن النتائج بطيئة ومحدودة بسبب انحياز القضاء الإسرائيلى، وضعف آليات الإنفاذ الدولية حتى الآن، وإن كان لا بد وبعد ضغط من الرأى العام كما حدث بقضية الشيخ جراح والبوابات الإلكترونية للأقصى تتبع السياسة الإسرائيلية أسلوب إبرة المخدر، ثم تنفذ مخططاتها تدريجياً»، حسب حديث «أبوعصب».
وذكرت أن هناك بعض الدعاوى المقامة أمام المحاكم الإسرائيلية من قِبل السكان المقدسيين المتضرّرين من الحفريات فى سلوان بمساعدة مؤسسات حقوقية، الأولى عبارة عن قضية منازل وادى حلوة فى سلوان (2011 - 2020)، حيث قدمت عشرات العائلات شكاوى ضد سلطة الآثار وبلدية القدس بسبب الأضرار والتصدعات التى سبّبتها الأنفاق، أما القضية الثانية فتتمثل فى الاعتراض على مركز كيدم التهويدى (2014 - 2017)، حيث تم الطعن فى المشروع أمام «اللجنة المحلية للتخطيط والبناء»، لكن تم رفض الاعتراض.
وتتمثل القضية الثالثة فى تقديم اعتراضات قانونية عدة مرات من قبل الأوقاف الإسلامية لمنع ترخيص الحفريات قُرب المسجد الأقصى، لكن المحاكم تجاهلتها بحجة «السيادة الإسرائيلية»، وتم اعتبارها قانونية داخل ما تُسميه إسرائيل «عاصمتها الموحدة»، بالإضافة إلى تجاهل وضع القدس كأرض محتلة، ولا تصنف نفسها كدولة احتلال، بل كصاحبة حق وإرث توراتى.
وتختتم ولاء أبوعصب، قائلة: «رصدت بعض المحاولات أمام جهات دولية، فقد قدّمت السلطة الفلسطينية والأردن شكاوى رسمية ضد الحفريات الإسرائيلية منذ 2010، وتبنّت اليونيسكو عدة قرارات تدين إسرائيل، أبرزها: قرار 2016 الذى يؤكد عدم وجود علاقة دينية لليهود بالأقصى حسب التعبير الرمزى للقرار، وقرارات تطالب بوقف الحفريات فوراً، واعتبارها تغييراً غير شرعى فى مدينة محتلة، وكما ذكرت سابقاً أن اليونيسكو لا تملك آلية تنفيذ قوية، بالإضافة إلى انسحاب إسرائيل منها عام 2019، وفى عام 2021، أعلنت المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية (ICC) فتح تحقيق رسمى فى جرائم محتملة فى الأراضى الفلسطينية، ومنها تدمير الممتلكات الثقافية (بما فى ذلك الحفريات)، كما أدان مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة (UNHRC) عدة مرات الحفريات، واعتبرها تشويهاً للتراث، وخرقاً للقانون الدولى، علماً بأنه لا يملك صلاحيات ملزمة، لكن قراراته تدعم الموقف القانونى الفلسطينى».