«الوطن» تحصل على خريطة المشروعات الاستيطانية لطمس معالم القدس
«الوطن» تحصل على خريطة المشروعات الاستيطانية لطمس معالم القدس
تحقيق: محمد علي حسن وماريان سعيد
«التهويد ليس مجرد تغيير أسماء، بل هو حرب ثقافية معلنة تُرسم وتُنفذ بشكل ممنهج، بهدف إجراء تغيير شامل فى ملامح المدينة ومشهدها الحضارى الذى يشمل الإنسان والأرض والمكان، إذ تسعى سلطات الاحتلال إلى سلب ومحو وطمس الثقافة والحضارة العربية بأسماء ورموز توراتية وتلمودية، لأنك حين تطل على القدس ترى صورة متكاملة لتاريخ المدينة المقدسة بسورها الذى يحيط بكنوز من الآثار والمبانى التاريخية والدينية المسيحية والإسلامية التى تؤكد وجود الإنسان العربى على مر التاريخ، كنائس ومساجد ومكتبات ومدارس تاريخية، وفن معمارى يشهد أنها أرض تراثنا العربى وتاريخنا الأصيل»، بهذه الكلمات استهل أكرم زهران مدير دائرة الخرائط ونظم المعلومات الجغرافية «بيت الشرق»، تصريحه لـ«الوطن».
يقول «زهران»: «من أى جهة تطل على المدينة المقدسة تشعر برهبة المكان، موقع المدينة بأسوارها والكنوز بداخلها إسلامية ومسيحية، والموقع المحيط بها بامتداد أفقى يظهر سحر المكان ولا يحجب الصورة، هذا المشهد الذى تعمل سلطات الاحتلال على تهويده لكى تتحول إلى مدينة صماء ترتفع فيها بنايات ومرافق المستوطنين بشكل عمودى من الشمال والجنوب، ومن الشرق مشروعات استيطانية بحدائق توراتية وقطار هوائى إلى إعلان مناطق خضراء لزرع أحياء استيطانية يهودية وحتى بين الأحياء العربية، مثل كدمات تسيون ومعالية زيتيم وبيت أوروت ومعاليه ديفيد، وهذا يرافقه تغيير فى أسماء الشوارع وكذلك المواقع».
يضيف «زهران»: «عملت سلطات الاحتلال منذ احتلالها للقدس الشرقية على فرض وقائع على الأرض، ضمن مفهوم الجغرافيا السياسية ببعده الجغرافى والديموغرافى، فمن ناحية البعد الجغرافى عملت على إحداث تغييرات فى الموضع فأقدمت على هدم حى المغاربة فى البلدة القديمة وطرد سكانه وإقامة الحى اليهودى، بمساحة وصلت إلى نحو 116 دونماً، وبالموقع تم الإعلان عن ضم القدس الشرقية وتوسيع الحدود بمساحة تقدر بنحو 70.5 كيلومتر مربع امتد نحو الشمال ليصل مشارف مدينة البيرة، بحيث يتم ضم معظم المناطق الفارغة، وكذلك تم اللجوء إلى قوانين المصادرة للمصلحة العامة وأهمها قانون الاستملاك للمصلحة العامة لسنة 1943 الذى وضع فى عهد الانتداب البريطانى لخدمة الاستيطان اليهودى، فتمت مصادرة نحو 25 كيلومتراً مربعاً من الجزء المضموم، منذ عام 1968 حتى بداية الألفية الثانية، وتوزعت من مطار قلنديا ومنطقة عطاروت فى الشمال إلى جبل أبوغنيم جنوباً، وذلك بهدف تصفية الأملاك العربية فى القدس وضواحيها وتفتيتها، وإقامة المستوطنات اليهودية حيث تمت إقامة 15 مستوطنة إسرائيلية».
أما عن البعد الديموغرافى، فيقول «لجأت سلطات الاحتلال إلى استخدام قوانين التنظيم والبناء لمنع انتشار البناء العربى وكذلك أوامر المصادرة والمحميات الطبيعية بهدف محاصرة السكان العرب ودفعهم إلى مغادرة المدينة بحثاً عن مكان للسكن، حيث تهدف سلطات الاحتلال إلى إحداث تفوق ديموغرافى لصالح المستوطنين بتوسيع مستوطناتهم والإعلان عن مشاريع متعددة للبناء لصالح المستوطنات، لتصل بالسكان العرب إلى نسبة تقل عن 20% من نسبة السكان فى القدس».
ويشير إلى أن سلطات الاحتلال الإسرائيلى باستهداف الأحياء العربية لتفريغها من السكان، بإعطاء المنازل لعائلات يهودية تحت ذرائع مختلفة، كما تستخدم أسلوب التجديد المدنى للأحياء داخل المستوطنات عن طريق هدم مبانٍ صغيرة قديمة وبناء أبراج سكنية مكانها كما يحدث فى التلة الفرنسية لتغيير المعالم وحجب صورة القبة الذهبية لقبة الصخرة المشرفة للداخل إلى المدينة من الشمال، هذا بالإضافة إلى سلسلة من الأنفاق والجسور ومشاريع القطار الخفيف، التى تهدف إلى ربط المستوطنات ببعضها وكذلك ربط القدس الغربية بالقدس الشرقية لتصبح مدينة واحدة ذات طابع يهودى».
وللإمعان فى التهويد وتغيير المعالم انتقلت أعمال الحفر لقلب الأحياء العربية فى باب الساهرة والشيخ جراح بالإعلان عن مشروع مركز المدينة الذى يهدف إلى إعادة تنظيم البناء ضمن الرؤية الإسرائيلية، ليتواصل مع مشروع وادى السيلكون فى وادى الجوز، وهذه المخططات بمجملها هى إحداث تغيير فى المعالم وانقلاب شامل فى المشهد الحضارى العربى للمدينة، وبموازاة ذلك يجرى العمل فى جنوب البلدة القديمة بمنطقة سلوان وحى البستان بمشاريع استيطانية وعمرانية ذات طابع يهودى وكذلك حدائق توراتية.
ومدّ «زهران» جريدة «الوطن» بخريطة تظهر حجم المشروعات الاستيطانية المختلفة للتهويد وتغيير معالم المدينة، حيث أظهرت بوضوح سعى الاحتلال لتشكيل جديد للمدينة يتوافق مع سياسة التهويد والأسرلة من خلال انتشار المستوطنات وإحاطتها وعزلها ومحاصرتها للتجمعات العربية إضافة إلى المشروعات الاستيطانية فى قلب المدينة بحيث تكون الصورة التى يشاهدها السائح أو الزائر للمدينة أحياء يهودية ضمن نمط هندسى وتخطيطى منتظم مرتبط بجسور وأنفاق وطرق حديثة تكاد تخفى التجمعات العربية التى أصبحت معزولة ومتوارية عن الأنظار.
وأعاد الاحتلال طرح مشروع القدس الكبرى الذى عمل منذ سنوات على تجميع عناصرها بامتداد وتوسيع للمستوطنات القائمة وخاصة مستوطنات الطوق المحيطة بالمدينة مثل معاليه أدوميم فى الشرق حتى تصل مشارف مدينة أريحا، جيلو وهارحوما فى الجنوب للتواصل مع مستوطنات غوش عتصيون مثل إفرات وعتصيون وبيتار عيليت، ومن الشمال مستوطنات معاليه مخماس وجفعات زئيف، ومن الشمال الغربى مستوطنة جفعات زئيف، وهذه المستوطنات السابقة الذكر تشكل 4 حلقات دائرية تبتلع مساحات شاسعة من الأراضى الفلسطينية وتضم أكبر عدد من المستوطنات، بحيث يصل عدد المستوطنات ضمن هذه الحلقات الأربع أو مشروع القدس الكبرى إلى نحو 42 مستوطنة، تسيطر على ما مساحته نحو 78398 دونماً، وعدد سكان يقارب نحو 417789 مستوطناً، والنتيجة هذه القدس المتروبوليتانية الجديدة بالمنظور الإسرائيلى غير القابلة للتجزئة، بحيث تطغى على مفهوم القدس التاريخية البلدة القديمة والمناطق المحيطة بأسوارها.
يوضح «زهران» أنه فى داخل البلدة القديمة حتى فى الأحياء العربية المحيطة مثل سلوان والشيخ جراح تمثل الجمعيات اليهودية مثل ألعاد وعطيرات كوهانيم رأس الحربة فى التهويد والاستيطان، بتعزيز العلاقات اليهودية من خلال الجولات والإرشاد وإصدار النشرات والأفلام التوراتية التى تعزز الارتباط اليهودى بالمدينة، وقد نجحت فى الاستيلاء على نحو ثمانين بيتاً فى سلوان وأصبحت بؤراً استيطانية تشكل مصدر إزعاج ودوافع إحلالية لدفع السكان العرب لإخلاء البيوت والرحيل عن المنطقة، وتنشط أيضاً داخل البلدة القديمة من خلال بناء كنس يهودية مثل كنيسة الخراب التى يخطط لها أن تعلو فوق البنايات والآثار التاريخية العربية لتكوين مشهد وصورة جديدة.