يوسف إدوارد يكتب: «محو الأمية».. مشروع وطني عابر للأجيال

كاتب صحفي

تأتى مبادرة الكاتب الكبير الأستاذ يوسف القعيد، تحت مظلة جريدة «الوطن»، للقضاء على الأمية، فى توقيت بالغ الأهمية فى مسيرة الدولة المصرية، بما تحمله من دلالات تتجاوز الفعل الثقافى إلى عمق المشروع الوطنى. فمحو الأمية لم يعد مجرد استحقاق تعليمى، بل بات حقاً إنسانياً أصيلاً وواجباً وطنياً ملحاً تجاه من حُرموا من أبسط حقوق المعرفة.

إنّ هذه المبادرة تُجدد التأكيد على أن معركة الوعى هى المعركة الأعمق فى المرحلة المقبلة، وهى الضمانة الحقيقية لأى تنمية شاملة. فالوطن الذى قدّم تضحيات جساماً فى مواجهة الإرهاب، ويخوض معارك اقتصادية صعبة، أصبح اليوم بحاجة ماسّة إلى خوض معركته الأخطر: معركة بناء الإنسان.

الأمية، فى جوهرها، ليست فقط حرماناً من القراءة والكتابة، بل إقصاءٌ من المشاركة، وتعطيل للطاقات، وغياب عن الفعل المجتمعى. المواطن الذى لا يقرأ هو مواطن أعزل أمام الخطاب المتطرف، وغائب عن فهم حقوقه وواجباته، ومحروم من أدوات التعبير والتفكير.

وإذا كنا نتحدث عن «الجمهورية الجديدة»، فلا بد أن يكون محو الأمية فى قلب هذه الجمهورية؛ لأن التنوير لا يتمّ بالشعارات، بل بتوفير أدوات المعرفة، والاعتراف بأن التنمية لا تكتمل دون إنصاف العقول. إن القرى والنجوع، حيث ترتفع نسب الأمية، يجب أن تكون نقطة الانطلاق. فهناك تبدأ الحكاية الحقيقية لبناء الوطن. وهناك نحتاج إلى شراكة مجتمعية واسعة تشمل مؤسسات الدولة، والمجتمع المدنى، والهيئات التعليمية، والكيانات الثقافية والدينية، وكل من يؤمن بأن المعرفة حق لكل مواطن.

ما أحوجنا إلى تحوّل هذه المبادرة من جهد نخبوى محترم إلى مشروع قومى جامع، يوفّر أدوات مرنة وغير تقليدية لمحو الأمية، تستند إلى تكنولوجيا العصر، وترتبط بالواقع اليومى، وتستهدف تمكين الإنسان لا تلقينه. وفى هذا السياق، تأتى مبادرة «الوطن» كصرخة ضمير فى وجه التهميش، وكسؤال مفتوح لكل مسئول ومواطن: كيف نقبل أن يكون بيننا من لا يعرف الحرف؟ وكيف نُشيّد مدناً ذكية بينما لا يزال ملايين المصريين خارج مظلة التعليم؟

إن هذا النداء الذى أطلقه الأستاذ يوسف القعيد لا يجب أن يُترك وحيداً، بل يُستكمل بخطوات عملية تتبنّاها الدولة، وتُشارك فيها المؤسسات كافة، لنُعلن بداية مرحلة جديدة من التنوير، لا تتوقف عند حدود العاصمة، بل تبدأ من الريف، وتصل إلى كل بيت لم يعرف الكتاب بعد.

إن محو الأمية هو الخطوة الأولى نحو مجتمع أكثر وعياً، وأكثر عدلاً، وأكثر قدرة على حماية نفسه من الفقر والتعصب والجهل. وهو فى الوقت ذاته فعلٌ من أفعال المحبة الوطنية، لأن من يحب وطنه لا يترك أبناءه خارج دائرة النور.