عاود الرئيس الأمريكى دونالد ترامب سياسة التهديد بفرض الرسوم الجمركية، محذرا من الانحياز لسياسات تجمع «بريكس» المناهضة لأمريكا، مؤكدا فى منشور على منصة «تروث سوشيال»، أن أى دولة تنحاز إلى السياسات المعادية للولايات المتحدة الأمريكية من مجموعة بريكس ستفرض عليها رسوماً جمركية إضافية بنسبة 10%، ولن يكون هناك أى استثناءات لهذه السياسة.
وحتى الآن لم يوضح ترامب، أو يتوسع فى الإشارة إلى طبيعة السياسات المعادية لأمريكا فى منشوره، في حين قال وزير الخزانة الأمريكى، سكوت بيسنت، إنَّ الرسوم الجمركية الجديدة ستطبق اعتباراً من الأول من أغسطس المقبل، حال لم يبرم شركاء واشنطن التجاريون من تايوان إلى الاتحاد الأوروبى، اتفاقات معها.
الطماوى: الرئيس الأمريكى يفرط في النهج التصادمي والتداعيات ستكون مزلزلة
أوضح الدكتور محمد الطماوى، الخبير فى الاقتصاد السياسى والعلاقات الدولية، أن تهديد
الرئيس الأمريكى الصريح بفرض رسوم جمركية صارمة على دول مجموعة البريكس، يمثل تطوراً خطيراً فى مسار العلاقات الاقتصادية الدولية، ويكشف تبنى نهج تصادمى مفرط يتجاوز الاعتبارات التجارية، ليس بشكل مباشر ببنية النظام العالمى القائم على التعاون المتعدد الأطراف، نظراً لأن ترامب لا يتحدث عن سياسات تبادلية مرنة، بل يلوح بحرب تجارية عالمية الطابع، مستخدماً الاقتصاد كسلاح ضغط وإخضاع، فى مشهد يعيد إلى الأذهان مواجهته الشعواء مع الصين خلال فترة رئاسته الأولى.
وأضاف الطماوى خلال حديثه مع «الوطن» أن تصريحات ترامب تأتى فى سياق تصريحات سابقة، تضمنت تهديداً بفرض رسوم قد تصل إلى 60% على الواردات الصينية، وهى نسبة غير مسبوقة فى تاريخ العلاقات الاقتصادية بين أكبر اقتصادين فى العالم، وإذا توسعت هذه الإجراءات لتشمل بقية دول «بريكس»، فإن التداعيات ستكون مزلزلة، موضحاً أن مجموعة البريكس لم تعد مجرد تكتل اقتصادى ناشئ، بل باتت تمثل فى 2024 أكثر من 32% من الناتج المحلى الإجمالى العالمى، مقابل نحو 29% لمجموعة الدول السبع، وفق تقديرات صندوق النقد الدولى.
وأكد الطماوى أن سياسات «ترامب» بهذا الشكل ليست مجرد توجهات حمائية تقليدية، بل تجسد رؤية صدامية للمجتمع الدولى، تسعى إلى إعادة العالم إلى منطق الهيمنة الأحادية، حيث لا صوت يعلو فوق مصلحة أمريكا، ولو على حساب الاستقرار العالمى، مشيرا إلى أن ما يمارسه ترامب هو اقتصاد عدائى، يوظف الرسوم الجمركية كأداة سياسية، ويستخدم الحرب التجارية كورقة مساومة استراتيجية فى علاقات دولية شديدة التعقيد.
وكانت التجربة السابقة فى 2018-2020 واضحة: «
الرسوم الجمركية التى فرضها ترامب على الصين حينها أدت إلى خسارة الولايات المتحدة نحو 300 ألف وظيفة بحسب تقديرات معهد بيترسون للاقتصاد الدولى، وتسببت فى زيادة تكلفة السلع المستوردة، ما أرهق المستهلك الأمريكى نفسه، ووفق تقرير صادر عن بنك الاحتياطى الفيدرالى فى نيويورك، فإن الحرب التجارية السابقة كلفت الأسر الأمريكية ما معدله 831 دولاراً سنوياً فى شكل ارتفاع أسعار واختناقات فى الإمداد».
البيت الأبيض يستهدف إعادة العالم إلى منطق الهيمنة الأحادية على حساب الاستقرار العالمى
لكن الأخطر أن تهديدات ترامب الجديدة تأتى فى وقت تظهر فيه دول البريكس طموحاً واضحاً نحو إعادة تشكيل النظام المالى العالمى، منذ عام 2022، حيث بدأت المجموعة فى استخدام العملات المحلية فى المبادلات التجارية، وتوسعت فى إنشاء منصات تسوية غير مرتبطة بالدولار الأمريكى، ما يشكل تحدياً حقيقياً للامتياز المالى الأمريكى القائم على مركزية الدولار، كما تعمل دول البريكس على تعزيز بنوكها التنموية البديلة، مثل بنك التنمية الجديد، الذى يقود مشروعات ضخمة فى الجنوب العالمى، بعيداً عن شروط المؤسسات الغربية، بحسب الطماوى.
ولفت الخبير الاقتصادى إلى أن الحديث عن فرض رسوم على البريكس ليس مجرد قضية اقتصادية، بل إعلان عدائى مفتوح ضد تحالف دولى ينظر إليه من قبل واشنطن باعتباره تهديداً لنفوذها الجيوسياسى، وأن تكتلاً بهذا الحجم يتجاوز عدد سكانه 3.6 مليار نسمة، لا يمكن عزله أو تهميشه بقرارات أحادية، ومن شأن هذه السياسة أن تسرع تقارب البريكس مع قوى أخرى، كالاتحاد الإفريقى وآسيا ومنظمة شنجهاى، فى اتجاه تكوين كتلة عالمية متماسكة فى مواجهة التغول الأمريكى.
ويرى الطماوى أن هذه السياسات التصادمية من شأنها أن تؤثر سلباً على الشراكات الاستراتيجية الأمريكية فى الشرق الأوسط وإفريقيا، خصوصاً فى ظل انضمام دول محورية إلى دائرة التفاعل مع البريكس، فالتهديدات الجمركية قد تقرأ فى هذه العواصم كدليل جديد على أن واشنطن لا تقيم اعتباراً حقيقياً لحلفائها، بل تعامل الجميع بمنطق الصفقة والابتزاز، وهذا ما يدفع هذه الدول أكثر فأكثر إلى تنويع شراكاتها الدولية، والانفتاح على القوى الشرقية، بما يقلل من اعتمادها على الولايات المتحدة.
ويعتقد الطماوى أن تهديد ترامب بفرض رسوم جمركية على مجموعة «بريكس» ليس فقط خطوة غير محسوبة اقتصادياً، بل مقامرة كبرى تهدد التوازنات الدولية وتدفع العالم نحو مرحلة أكثر اضطراباً، تتسم بالاستقطاب والانقسام.