«قصة حياتي».. نور الهدى تحكي: أبي منعني من الغناء فصرت نجمة
«قصة حياتي».. نور الهدى تحكي: أبي منعني من الغناء فصرت نجمة
وُلدت الفنانة اللبنانية الكسندرا بدران، المعروفة فنيًا باسم نور الهدى، في تركيا، يوم 24 ديسمبر 1924.
وفى مقال لها بعنوان «قصة حياتي» بمجلة الكواكب - تاريخ 23 مارس 1954 - كشفت نور الهدى كواليس رحلتها منذ الطفولة، حتى وضعت قدميها على أول طريق النجومية.
أول الحكاية
في الخامسة من عمرها وبعد أن التحقت بالمدرسة، بدأت نور الهدى تكتشف في نفسها حب الموسيقى، حيث كان لجيرانهم «جرامافون»، كانت تقضي ساعات طويلة تستمع إليه، حتى حفظت كثيرًا من الأغاني بالكامل، وأصبحت ترددها بصوتها الطفولي.
اكتشاف الموهبة.. البداية مع خالد أبو النصر
تقول نور في المقال: «سمعني زوج عمتي، فعرض على أمي أن يقدمني لملحن معروف هو الأستاذ خالد أبو النصر، وهو صديق له، كنت وقتها في السابعة وكان أبي يقيم في طرابلس لبعض أعماله، ولم تعارض والدتي في الأمر، وسمع الملحن صوتي فأعجبه، وكنت أذهب إليه كل يوم أحد ليعطيني دروسًا في الغناء والموسيقى، وأنا أعترف أن الأستاذ خالد جعلني أتعلق بالفن أكثر، وأمكنني في هذه السن المبكرة أن أحفظ أغانٍ كثيرة».
الوقوف الأول على المسرح.. وصدمة الأب
في السابعة من عمرها، أُتيحت لنور الهدى أول فرصة للغناء أمام الجمهور على أحد المسارح الجديدة، وشجعها زوج عمتها، بل أُرسل برقية لوالدها ليحضر الحفل.
يومها غنت الطفلة الصغيرة فأبهرت الجمهور، لكن والدها ظهر فجأة بين الكواليس بوجه متجهم، وقبض على يدها بعد العرض، وقال غاضبًا: «من قال لك أن تغني؟».
شكلت تلك الليلة صدمة كبيرة في وجدان الطفلة، خصوصًا بعد أن تشاجر الأب مع الأم بسبب ترك ابنته تغني، لينتهي الأمر بأخذ نور الهدى إلى طرابلس، بعيدًا عن بيروت والفن، لكن بعد فترة من الحنين والبكاء، أعادها والدها إلى بيروت بشرط واحد: ألا تغني.
العودة المشروطة
تقول نور الهدى في مقالها «قصة حياتي»: «عدت إلى بيروت، وجاء زوج عمتي في اليوم التالي ليقول إنه أعد لي مفاجأة رائعة، وشرح المفاجأة فقال إنه تعاقد مع أحد مديري المسارح على أن أشتغل مقابل ثلاث ليرات في الليلة الواحدة، وترددت كثيرًا، رغم أن الغناء هو كل شيء في حياتي، ولكنني، وبعد الإلحاح، قبلت، وصممت قبل القبول على أن أحصل على موافقة أبي، فأرسل زوج عمتي يستدعيه، وقابله على المحطة ليفهمه حقيقة الأمر، وقال له إن ثلاث ليرات مبلغ لا يُستهان به، وإن المستقبل الزاهر ينتظرني، وحرام أن يقضي عليه هكذا».
وتابعت: «لم يجبه أبي بنعم أو لا، بل تركه ومضى يبحث عن مدير المسرح، وما أن وجده حتى قال له: إن ابنتي لن تغني لك، خذ العربون الذي أخذته منك، وقدم له المبلغ الذي كنت قد تقاضيته عربونًا».
أغانٍ في الخفاء وتغيير في موقف الأب
بعد هذا الموقف، عادت نور الهدى مع والدها إلى طرابلس من جديد، وفي تلك الأثناء بلغ إلى مسامع خالها أن الصغيرة تمتلك صوتًا ساحرًا، فاقترح عليها أن تغني في الحفلات التي ينظمها رجال الجمارك، حيث كان خالها موظفًا هناك، ولم يمانع الأب رغم علامات الضيق التي كانت تسيطر على وجهه في كل مرة.
استمرت نور الهدى تشارك في إحياء حفلات الجمارك لمدة عامين، وحين وصلت إلى سن التاسعة، وبعد إلحاح شديد منها وافق الأب أخيرًا على أن تغني.
انطلاقة الاحتراف
تستكمل نور: «بعد أن وافق أبي على أن أغني، وفي اليوم التالي مباشرة، بحث زوج عمتي عن مدير المسرح الذي فسخ أبي العقد معه، واتفق على عقد جديد، وتضمن أن يكون أجري أربعة جنيهات في الليلة الواحدة، وكان هذا مبلغًا خياليًا لمغنية في مثل سني لم تتعدَ العاشرة، وعندما انتهى عقدي مع مدير هذا المسرح بدأت جولة فنية في كل أنحاء لبنان وسوريا، وأذكر أننا ذهبنا إلى بلدة طرطوس، فأُصبت بمرض هناك، فكان الموظف الذي يبيع التذاكر يقول لمن يشترونها: المطربة الصغيرة من غنت الليلة الماضية مريضة، واجتمع عدد كبير من رواد المسرح، وجاءوا إلي في الفندق يطلبون مني أن أذهب إلى المسرح وأغني لهم، وهزني هذا الشعور الطيب، فقمت من فراشي وذهبت إلى المسرح لأغني، ومن بعدها انطلقت في جولات فنية بين لبنان وسوريا، حيث سطع اسمي سريعًا».
بوابة مصر
في تلك الأثناء وصل يوسف وهبي وفرقته إلى لبنان، وسمع عن المطربة الصغيرة، فأرسل مندوبًا للقائها، وبعدها التقاها شخصيًا وفوجئ بأنها تتحدث اللهجة المصرية بطلاقة.
يومها دعته نور للاستماع إليها في حفل يقام بـ «دار العجزة»، وبعد سماع صوتها، وقّع معها عقدًا للسفر إلى مصر، وطلب منها إنهاء الإجراءات من القنصلية المصرية.
منع من السفر
رغم استعدادها للسفر، تلقت نور الهدى قرارًا بمنعها من مغادرة لبنان، وفي تلك الأثناء، اضطرت لتوقيع عقد جديد مع ملهى استعراضي لتأمين لقمة العيش، وتلقت عربونًا قدره 500 ليرة.
ولكن بعد أيام، وصلت برقية من يوسف وهبي: «انتظري أحد شركائنا»، حيث أرسل مبعوثه أنطون خوري، الذي نجح، بمساعدة متعهد لبناني، في فسخ العقد بعد دفع 2500 ليرة، ليصبح طريق نور الهدى إلى القاهرة ممهَّدًا.
بداية المشوار السينمائي
تستكمل نور الهدى في مقالها: «في نوفمبر سنة 1942، خطوت خطوتي الأولى على أرض مصر العزيزة، أنا وأبي وأنطون خوري، وذهلت حينما أقلنا التاكسي في شوارع القاهرة، وحين رأيت العمارات الشاهقة التي لا تدانيها عماراتنا في لبنان، وفي اليوم الخامس بدأت عملي في فيلمي الأول «جوهرة»، الذي وقّعت له عقدًا مقابل 150 جنيهًا، واقترح الأستاذ يوسف وهبي أن أغير اسمي إلى نور الهدى، وأحسست أنني أولد ميلادًا جديدًا».
تواصل: «وكانت سياسة يوسف وهبي معي تدل على بعد نظر وخبرة عميقة، أدرك أنني مغنية، وأن التمثيل جديد علي، فقرر أن أبدأ بتسجيل الأغاني حتى أنطلق في العمل، ثم بدأت العمل في الفيلم، وأشهد وأقر أن الأستاذ يوسف وهبي صاحب فضل عليّ لا يُنسى».
ليلة العرض الأول.. دموع الفرح والنجاح
في 8 مارس 1943، ذهبت نور الهدى إلى دار السينما لحضور العرض الأول.
تختتم: «وفي المساء شاهدت العرض مع الممثلين، وأراني أعتبر هذه الليلة أعظم ليالي حياتي، فقد سمعت تصفيق الجماهير في أذني، ووجدتني في شبه غيبوبة من الفرح والبهجة، كان نجاحًا لا أحلم به، ولا يحلم به أحد ممن عملوا في الفيلم، وكانت هذه الليلة هي الفاصلة في حياتي، فقد وصل اسم الكسندرا بدران إلى القمة تحت حروف جديدة مجموعها: نور الهدى».