حرموها من التعليم فصارت رمزا للوعي.. فتحية العسال قاهرة الأمية
حرموها من التعليم فصارت رمزا للوعي.. فتحية العسال قاهرة الأمية
تركت الكاتبة المسرحية فتحية العسال، وهى واحدة من أبرز رموز النضال النسوى فى مصر، بصمة قوية فى قضايا المرأة وحقوقها، إلى جانب إسهاماتها الكبيرة فى مجال المسرح والدراما. عانت فتحية العسال فى بداية حياتها من مشكلة الأمية، وعندما تغلبت عليها بنفسها، لعبت دوراً مهماً فى محو أمية النساء، إيماناً منها بأن التعليم هو جوهر تحرر المرأة وطريق تمكينها الحقيقى. لذلك شاركت فى مبادرات عديدة لتعليم النساء ودعمهن.
وُلدت فى القاهرة فى 22 ديسمبر 1931، وحُرمت من التعليم النظامى، فلم تحصل على أية شهادة، حتى الابتدائية. لكنها علَّمت نفسها الكتابة لاحقاً، وبدأت مشوارها فى الكتابة الأدبية عام 1957.
كانت لا تزال طفلة فى العاشرة عندما مُنعت من التعليم بعد شهرين فقط من التحاقها بالمدرسة. وقد شكلت هذه اللحظة بداية صراع طويل ضد الجهل والتمييز بين الجنسين. علَّمت نفسها مبادئ القراءة والكتابة.
فى مذكراتها «حضن العمر»، الصادرة عن دار نهضة مصر، تحكى فتحية عن رحلتها الشاقة للحصول على أبسط حقوقها، وهو التعليم. تصف كيف حُرمت منه بسبب مفاهيم ذكورية قاسية، وكيف بدأت المذكرات باللهجة العامية القريبة من القلب.
أجبرها والدها على ترك المدرسة فعلمت نفسها بنفسها.. ودعّمها زوجها الكاتب عبدالله الطوخي
تتذكر فتحية يوماً لا يُنسى استيقظت فيه الطفلة الصغيرة على صوت والدها يُبلغ والدتها بقراره بحرمانها من التعليم، جاء القرار بعد شهرين فقط من دخولها المدرسة، إذ رآهها فتاة مؤهلة للزواج رغم أنها كانت فى العاشرة فقط: «البنت كبرت يا زينب.. وخلاص مالهاش خروج، ولازم تسيب المدرسة»، فقد تقدم أحد معارف الأسرة لخطبتها، وكانت فتحية قد دخلت مرحلة البلوغ المبكر. لم تُفلح توسلات الأم لدى الأب، الذى قال كلمته الأخيرة والقاطعة: «من بكرة يا زينب، حضّرى بنتك للجواز، علّميها إزاى تبقى ست بيت».
قابلت فتحية قرار الأب بالاحتجاج الشديد، وصرخت فى وجهه: «أنا لا هتجوز، ولا هسيب المدرسة، أنا لسه صغيرة». هذا الاعتراض قوبل بعنف أشد من الأب «فجأة لقيت قلمين نازلين على وشى، سوّدوا الدنيا قدامى»، مُعقباً على هذا التمرد: «البنت دى مالهاش غير الحبسة فى البيت لحد ما تتجوز»، وهو ما رضخت له الأسرة تماماً.
عاشت فتحية العسال مأساة حقيقية بعد منعها من الذهاب إلى المدرسة، وظلت تحتضن مريلة المدرسة المكوية كما تحتضن كتبها وكراريسها. كانت طفولتها فى الأربعينات شاهدة على قهر مزدوج، من الأب أولاً، ثم من شقيقها، الذى مارس دور «رجل البيت» عليها، حتى مُنعت من مجرد النظر من النافذة، بعد حادثة تحرش أحد جنود الاستعمار بها، وكأنها هى المذنبة.
القهر المتكرر لفتحية دفعها للمقاومة على عدة أصعدة قبل أن تعى معنى التمرد، انخرطت فى ممارسات مقاومة متنوعة، بينها المشاركة فى المظاهرات ضد الاحتلال وهى طفلة بعد تنامى الوعى الذاتى لديها، ورفض «الحبسة» فى البيت، ومن هنا اهتدت لطريق العودة للتعلم الذاتى، عادت إلى كتبها وكراريس المدرسة المخبأة بين طيات الملابس داخل دولابها، لتبعث حلمها، تستخرج حروف الأبجدية من الذاكرة، تتهجى واحداً بعد الآخر، لتبنى أبنية من الحروف تحولها لمفردات ذات معانٍ ومعانٍ أكبر عند فتحية، أصبح لديها حلم: «عشت حلم التعليم وابتديت كل يوم بعد ما أخلص شغل البيت من كنس لمسح لطبيخ، أدخل أوضتى وأقفلها عليا وأعيش إصرارى اللى شرنقت نفسى جواه، وأمسك القلم وهات يا مذاكرة».
تحكى تطورات حكايتها مع التعلم الذاتى، والتى كانت بمثابة الحفر فى الصخر، فقد اكتشف والدها تصميمها على التعلم، فقرر أن يمدها بكتب أولى ابتدائى: «رحلة التعليم أخدت منى شهور. وبصراحة بابا كان بيعمل حاجة مهمة قوى. كان بيجيب لى جورنال (المصرى) ويقول اقرى فيه. وافهمى المكتوب. ولو حاجة مافهمتيهاش.. اسألينى»، ليفتح لها الجورنال مع الاستماع للراديو عالماً فسيحاً ومحفزاً وبدايات لكتابة القصص، فقد كان لديها شعور جارف بالسعادة من قدرتها على التدوين: «بقيت أمسك القلم كل يوم بالليل.. وأكتب كل اللى بيحصل حواليا.. فى بيتنا.. أو فى بيوت الناس حواليا.. وأول حاجة كتبتها كانت قصة نجيبة أختى».
وفى هذه المرحلة نشأت بينها وبين والدها علاقة طيبة، فقد كانت تقرأ له الصحف كما كانت تقرأ له القصص التى تكتبها، وعلَّق عليها: «والله يا بت يا فتحية انت تنفعى كاتبة»، وهى الكلمات التى تعلقت بها فتحية لتواصل الكتابة بكثافة شديدة: «صحيح أكيد عندى أخطاء فى الكتابة، لكن إيه يعنى، ما دام باعرف أقرأ خطى يبقى كفاية».
قصة حبها للكاتب عبدالله الطوخى -الطالب بكلية الحقوق وقتها- ثم زواجه منها، ثم دخوله السجن، كسجين سياسى، كانت محطة مهمة فى مسيرتها أسهمت فى نمو وعيها، إذ أُعجب «الطوخى» بكتاباتها التى كانت على حد تعبيرها «زى نبش الفراخ»، كما أُعجب بخصوبة خيالها، وشجّعها على الكتابة، كما اعتبرها «الطوخى» أول ناقد لكتاباته لما لمسه لديها من ذائقة أدبية وحسّ نقدى رفيع، تقول فتحية العسال فى وصف تلك الفترة: «أخذت حياتى شكل جميل وجديد، خصوصاً إن عبدالله بدأ يكتب بانتظام، وكنت أول قارئة له. وكان دايماً بيقوللى يا معذبتى كل ما تقرى قصة باحس بإن النقد بتاعك فى لب الموضوع، أضطر أعيد كتابتها».
اتجهت لقراءة المسرحيات والروايات، وتأثرت بكُتّاب مثل نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم، وكانت مهتمة بشكل خاص بتمثيليات الإذاعة والقصص القصيرة، خاصة أعمال عبدالرحمن الخميسى وعبدالرحمن فهمى. وحين سُجن «الطوخى» تفاعلت «فتحية» مع أسر المعتقلين السياسيين فى هذه الفترة، ما وسَّع مداركها وزادها تعطشاً للفهم: «وابتدت حياتى تاخد طعم جديد. القراية بقت زادى وزوادى، إيمانى بالفكر الماركسى كل يوم بيزيد عن يوم. لدرجة إن يوم عيد ميلاد عبدالله فكرت آخد له هدية رائعة. المهم تكون إيه.. تكون إيه.. وأخيراً استقريت على كتاب (كارل ماركس)».
بعد خروجه من السجن، رأى عبدالله الطوخى أن «فتحية» تمتلك قدرة هائلة على العطاء الجماهيرى، واقترح عليها فكرة إنشاء فصل لمحو الأمية، وقد لاقت الفكرة تجاوباً كبيراً منها، حيث قال لها: «فكّرى إزاى تعملى فصل لمحو الأمية، خصوصاً إنك انت شخصياً اتحديتى الأمية واتعلمتى»، وهى الفكرة التى لاقت قبولاً منها، وتروى فتحية: «وكأن طاقة نور اتفتحت قدامى لما عبدالله اقترح عليا إنى أعمل فصل محو أمية، وافتكرت الستات اللى كانوا معايا فى تدريب التمريض والإسعاف وحمل السلاح. وبعد الحرب رجعوا لبيتهم رغم إنهم مستعدين لأى نشاط».
تروى فتحية العسال فى مذكراتها مراحل العمل على تنفيذ الفكرة وتواصلها مع النساء فى منطقة السيدة زينب والتحديات التى واجهتها، إلى أن أصبح عندها ثلاثين سيدة لديهن رغبة فى التعلم. كانت تلف على السيدات فى الأسواق ومقار عملهن، وكان من بين هؤلاء السيدات اللاتى تواصلت معهن «أم عسل بائعة العيش» و«انشراح بائعة الخضار» وغيرهما من بائعات السوق فى منطقة السيدة وتحديداً قلعة الكبش.
أسست أول فصل لمحو الأمية بالسيدة زينب عام 1956.. وأول قصة أبدعتها مستلهمة من تعليم الكبار
لم يكن تحفيز السيدات على الالتحاق بفصل محو الأمية أسهل من النضال السياسى، تقول فى مذكراتها: «ابتديت أروح للستات فى بيوتهم وأكلمهم عن أهمية التعليم.. الست منهم كانت تفرح وتقوللى من بكرة أكون عندك. بس لازم تاخدى لى الإذن من جوزى، ودى كانت أول مشكلة تقابلنى». ومن المشكلات التى واجهتها أيضاً عدم التزام الدارسات بالمواعيد، وأيضاً عدم موافقة بعض الأزواج، إلى أن جاء اليوم المرتقب يوم السبت 24 نوفمبر سنة 1956 وتم افتتاح أول فصل محو أمية فى حى السيدة زينب، وبعد أسبوع واحد من الافتتاح ارتفعت أعداد السيدات إلى 42.
مشروع محو الأمية الذى أطلقته فى السيدة زينب كان أيضاً مُلهماً لها لتكتب أول عمل إبداعى بشكل احترافى فى 1957، بتحفيز من عبدالله الطوخى زوجها، كان المسلسل الإذاعى بعنوان «بداية النهاية»، وقتها أشاد الشاعر صلاح جاهين بالنص خلال زيارته لصديقه الطوخى فى هذه الفترة، ثم تلقت إشادة بالمسلسل نفسه بعد إذاعته من يوسف إدريس، وكان هذا العمل بداية مشوار جديد فى الأدب يضاف إلى رصيد تجاربها النضالية. فقد اتجهت مرة أخرى لتعليم نفسها أسس كتابة الدراما: «رحت سور الأزبكية واشتريت كل الكتب اللى بتدرس دراما»، لتبنى وعيها بالدراما. وقدَّمت العديد من المسلسلات، بينها «رمانة الميزان، شمس منتصف الليل، بدر البدور، هى والمستحيل، حبنا الكبير، لحظة اختيار، لحظة صدق، سجن النسا»، ومن المسرحيات «المرجيحة، الباسبور، البين بين، نساء بلا أقنعة، سجن النسا، ليلة الحنة، من غير كلام» وغيرها.