رفعت رشاد يكتب: فوبيا الذكاء الاصطناعي

كاتب صحفي

كنت أطالع ما ينشر على منصات التواصل الاجتماعي عندما شاهدت بيانا يلقيه رئيس دولة عظمى يتضمن عبارات تحذيرية وتهديدية لدولة عظمى أخرى في مجال التجارة العالمية وفرض الضرائب والجمارك. تحمست للكتابة عن الموضوع، لكني بعد قليل وجدت بيانا لرئيس دولة كبرى أخرى يهدد بأن بلاده ستساند دولة ما في حربها إذا ما تعرضت لاعتداء! كان موضوع البيان مثيرا لكي أكتب عن الموضوع أيضا، لكني توقفت عن الكتابة عن هذا أو ذاك وتوجست من أن تكون تلك البيانات التي تتضمن صورا وأفلاما لقادة عالميين من صنع الذكاء الاصطناعي. فقد شاهدنا الكثير من مثل هذه الأفلام والصور المصنعة سواء خلال لقاء الرئيس الأمريكي ترامب مع رئيس أوكرانيا أو بين المرشد العام الإيراني ورئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي. ووظف أبناؤنا المصريون والعرب إمكانياتهم للسخرية من الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء الصهيوني. لقد هز ما رأيته الثقة في أن يكون ما شاهدته حقيقيا، وألغيت فكرة الكتابة عن هذا الموضوع أو ذاك.

في زمن الطفرات التكنولوجية المتسارعة الذي نعيشه، لا شيء يثير القلق أكثر من انعدام الثقة فيما نراه ونسمعه ونقرأه. لم تعد المعضلة اليوم تكمن في قلة المعلومات، بل في كثرتها وتزاحمها وتشابهها حد التمويه، والأدهى أن بعضها قد يكون مختلقًا بالكامل لكنه يبدو حقيقيًا بدرجة مذهلة. هنا تنشأ فوبيا الذكاء الاصطناعي: تلك الهواجس التي تراودنا كلما طالعت أعيننا منشورًا متقن الصياغة أو شاهدنا مقطعًا مصورًا أو قرأنا تصريحًا صحفيًا يحمل نذر الحرب أو وعود السلام. في كل مرة نسأل أنفسنا: «هل هذا حقيقي؟ أم أن الذكاء الاصطناعي صاغه بإتقان؟».

إننا نقرأ، نتفاعل، ثم يهاجمنا الشك: هل حقًا قيل هذا؟ هل هو تصريح رسمي صادر عن هذا القائد أو هذه الجهة الرسمية؟ أم مجرد منتج من منتجات الذكاء الاصطناعي التي باتت تصنع الكلمات والصور والفيديوهات؟

تراجعت المسافة بين الحقيقة والخيال حتى باتت غير مرئية. يمكن اليوم لأي شخص أن يُنتج بيانًا مزيفًا، صورة مزيفة، فيديو مزيفًا، بل وحتى صوتًا مزيفًا، ويطلقه في الفضاء الإلكتروني كأنه حقيقة دامغة، وما أكثر من يصدق. فلا شك أن الذكاء الاصطناعي فتح آفاقًا هائلة في مختلف المجالات، من تحليل البيانات الطبية إلى تسريع عمليات الترجمة والبرمجة والتعليم. لكنه، في المقابل، أدخل البشرية في مرحلة غير مسبوقة من الشك العام. لقد أصبح من السهل تركيب صورة لرئيس وهو يوقع إعلان حرب، أو تصميم مقطع فيديو يبدو واقعيًا لرئيس وزراء يعلن استقالته، أو حتى كتابة مقال كامل في صحيفة شهيرة بصياغة اصطناعية يصعب تمييزها.

هذا الانفجار في القدرات الاصطناعية يُنتج بيئة إعلامية موبوءة بالتزييف. وإذا كان الإعلام في السابق يُكافح الشائعات القادمة من مصادر مجهولة، فهو اليوم يواجه خطرًا أشد تعقيدًا: الشائعة القادمة من برنامج ذكي، لا يشعر ولا يعقل، لكنه يُتقن الخداع.

لسنا وحدنا في هذا التوجس. كثير من المواطنين حول العالم باتوا يفضلون السكوت على إعادة نشر معلومة، خوفًا من أن تكون مفبركة. ومواقع التواصل الاجتماعي، بدلًا من أن تكون منصات للمشاركة، صارت حقل ألغام. وفي بعض الأحيان، تنتشر بيانات مزيفة تتسبب في انهيارات اقتصادية مؤقتة أو توترات سياسية حقيقية، قبل أن تُكذَّب لاحقًا.

رغم كل ما يقال عن الذكاء الاصطناعي، سيظل الذكاء البشري هو الحَكم. الإنسان وحده القادر على التمييز بين السياق الحقيقي والافتراضي، بين ما يُقال وما يُراد، بين الصيغة الواقعية والصيغة المفتعلة.

لذلك، يجب أن يعود الإعلام إلى «المصدر الأول»، إلى فن التحقيق، إلى الصياغة القائمة على التدقيق والتمحيص لا على الانبهار بالصورة أو الإعجاب بالنص.

فوبيا الذكاء الاصطناعي ليست جنونًا، بل هي وعي يقظ بمخاطر التزييف المعاصر.