دخان الحرب مستمر.. معارك نفسية بأسلحة خفية في صراع إيران وإسرائيل (تحقيق)

كتب: محمد عبد العزيز

 دخان الحرب مستمر.. معارك نفسية بأسلحة خفية في صراع إيران وإسرائيل (تحقيق)

دخان الحرب مستمر.. معارك نفسية بأسلحة خفية في صراع إيران وإسرائيل (تحقيق)

في أوقات الحروب، تتكاثر الشائعات والأخبار المضللة، ويتم تداولها بوتيرة متسارعة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حتى تصبح حربًا خفية لا تقل خطورة عن العمليات العسكرية الدائرة على الأرض، وقد تطورت آليات تصنيع هذه الشائعات، وتحولت إلى أدوات فعالة في الحروب النفسية، تستهدف بثّ الخوف، والتشويش، وإرباك الرأي العام.

وتُظهر التجارب التاريخية أن الشعوب التي تتعرض لهزائم عسكرية تستطيع النهوض من جديد، وإعادة بناء قواها، والاستمرار في المقاومة حتى تحقيق النصر، بينما الشعوب التي تنهزم نفسيًا تفقد الثقة، وتغرق في الإحباط واليأس، فتتراجع قدرتها على الحلم، وعلى المساهمة في بناء حضارة أو تحقيق إنجاز.

سيل من المعلومات خلال الحرب

خلال السطور المقبلة، ترصد «الوطن» الكمّ الهائل من المعلومات والصور والفيديوهات التي تم تداولها حول الحرب بين إيران وإسرائيل، محاولةً تتبع مصادر هذه الموجات التضليلية وآليات عملها، وتأثيرها على المتلقّي العربي.

وسيتناول التحقيق كيفية توظيف الشائعات والمعلومات المضللة من خلال حملات منسقة على وسائل التواصل الاجتماعي، مع استغلال أدوات الذكاء الاصطناعي في تضليل الرأي العام، كما نعرض شهادات وتحليلات من نخبة من الباحثين العالميين المتخصصين في الحرب السيبرانية والإعلامية، ممن رصدوا كيف تُدار هذه الحملات ومن يقف وراءها، بالإضافة إلى التأثيرات النفسية والاجتماعية لتلك المعلومات المضللة، وكيف أنها تؤدي إلى إرباك المستخدم العادي، الذي بات يجد صعوبة في التمييز بين ما هو حقيقي وما هو زائف، في ظل تسارع وتيرة النشر، وتشابك الأحداث، وغياب المصادر الموثوقة أحيانًا، مما يزيد من خطورة هذه الحرب الصامتة التي تُدار خلف الشاشات، وتستهدف العقول قبل أن تستهدف الميدان.

حرب نفسية.. ورسائل مجهولة

فى ساحة الصراع بين إيران وإسرائيل، لا تُحسم المعارك فقط بالصواريخ والطائرات، بل تُخاض أيضًا في الظل، عبر الحرب النفسية والرسائل المجهولة، والموجات المتلاحقة من الشائعات.

ومع توقف المواجهة المباشرة بين إيران وإسرائيل والتي استمرت لمدة 12 يومًا، بدأت أوسع حملة نفسية تنفذها الاستخبارات الإسرائيلية، استهدفت المئات من القادة العسكريين والأمنيين الإيرانيين بسيل من المكالمات والتهديدات الشخصية، في واحدة من أعنف الحملات النفسية التى نُفذت ضد إيران، كشفت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية عن أن عملاء تابعين للموساد أجروا مكالمات تهديد مباشرة للعديد من القيادات العسكرية والأمنية رفيعة المستوى في طهران، كانت بهدف إرباكهم.

وكانت إحدى هذه الرسائل أو المكالمات تقول: «أنصحك بأن تهرب خلال 12 ساعة مع زوجتك وطفلك.. نحن أقرب إليك من شريان رقبتك». وكانت الرسالة واضحة، فلا مكان آمن، ولا أحد بعيد عن الاستهداف.

بحسب الصحيفة الأمريكية، لم يكن الهدف من هذه الحملة اغتيالاً مباشرًا بقدر ما كان اغتيالاً نفسيًا يهدف إلى شل قدرة النظام الإيراني على تعيين قيادات بديلة، عبر بث الرعب والشك في مفاصل الحرس الثورى والنظام الأمني.

وفى الأيام الأخيرة، أصدر المسؤولون الإسرائيليون تهديدات عسكرية أكثر صراحة، حتى إنهم استهدفوا المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي مباشرة في خطابهم، وأعلنوا استعدادهم لشن هجمات ردًا على ذلك، أخذت إيران هذه التهديدات على محمل الجد، معلنة استعدادها لرد مختلف تمامًا.

إسرائيل وترهيب الرأي العام الإيراني

وبعد وقف إطلاق النار فى 24 يونيو 2025، استمرت حملة إسرائيل الإعلامية، وأصبحت أكثر كثافة واستهدفت ترهيب الرأي العام الإيراني، في المقابل، نشرت تغريدات ورسائل عبر الحسابات الرسمية باللغة الفارسية تهدف لتضخيم احتمال تجدد القصف، بهدف خلق مناخ من الرعب والضغط النفسي، فيما ردَّت طهران بهجمات سيبرانية واستراتيجية نفسية ضد إسرائيل، تتنوع بين رسائل نصية مزيفة تحذر المستوطنين الإسرائيليين من نفاد الوقود أو وقوع تفجيرات، كما انتقلت الحرب إلى الفضاء الإلكترونى، حيث شنت إسرائيل عمليات قرصنة بيانات بنك السبّاه الحكومي وتخريب منصة Nobitex للعملات الرقمية، مما أدى إلى خسائر تُقدَّر بنحو 90 مليون دولار، وفقًا لوكالة رويترز للأنباء، وصحيفة بوليتيكو الأمريكية.

كما رافقت الهجمات الإلكترونية تسريبات على الشبكات الإعلامية الإيرانية، حيث استهدف قراصنة أيضًا محطات إخبارية إيرانية، وانتشرت مقاطع فيديو على الإنترنت تُظهر التليفزيون الحكومي الرسمي الإيراني وهو يبث رسائل مناهضة للنظام، من جانبه، أوقفت حكومة طهران خدمة الإنترنت في البلاد ردًا على الهجمات، وهو انقطاع دام عدة أيام.

وتواصل إيران شن هجمات مضادة، إذ حذرت الهيئة الوطنية للأمن السيبراني في إسرائيل من ملء استمارات على مواقع إلكترونية خبيثة تسعى لجمع معلومات استخباراتية عن الأفراد، وبحسب تقرير صادر عن منصة الاستخبارات المفتوحة «Silobreaker»، المتخصصة فى تحليل التهديدات السيبرانية والجيوسياسية ومقرها لندن، فقد شنّت 74 مجموعة تُعرف باسم «هاكتيفست» -وهم نشطاء إلكترونيون موجهون سياسيًا- هجمات ضد أهداف إسرائيلية، من بينها 67 مجموعة مؤيدة لإيران، ما جعل تلك الفترة نقطة تحوُّل رقمية ترافقت مع العملية العسكرية الإسرائيلية في طهران.

تلك الهجمات تنوعت بين DDoS أى حرمان الخدمة، واختراق الصفحات وتسريب بيانات لمواقع حكومية وعامة إسرائيلية، لكن التقرير يشير إلى أن كثيرًا من هذه الهجمات كانت ذات تأثير محدود أو غير مثبت فعليًا، مما يرجح أن يكون الغرض الأساس منها نفسيًا وأثرها رمزيًا أكثر من تدميري.

معركة الروايات.. 120 شائعة خلال الحرب

كانت هذه العملية مكملة لـ«معركة الروايات»، ففي غضون 12 يومًا فقط، وجدنا نحو 120 شائعة حققت انتشارًا واسعًا خلال 12 يومًا من الحرب بين إيران وإسرائيل، واستطعنا تجميعها باستخدام وسائل متعددة، إما يدويًا، أو اللجوء إلى أداة جوجل لرصد الأخبار الزائفة، أو شبكات عالمية مثل وكالة رويترز وفرانس برس.

من صباح 12 يونيو.. أخبار ومعلومات تتدفق كالسيل

انتشرت أكثر من 120 شائعة داخل إيران وإسرائيل والمنطقة، كان الهدف منها زعزعة الثقة، وإرباك الإدراك الجمعي، وتضخيم الشعور بالعجز أو النصر الوهمي، ففي صباح 13 يونيو الماضى كانت الأخبار تتدفق كالسيل، هجمات إسرائيلية مستمرة تستهدف مناطق متفرقة من إيران، اغتيال قادة وعلماء نوويين، فى المقابل، صواريخ إيرانية تضرب تل أبيب، واستعداد الولايات المتحدة للمشاركة فى الحرب، الشرق الأوسط على صفيح ساخن، لكن شيئًا غريبًا آخر كان يحدث، فبعد أيام من الضربات المتبادلة، عاد بعض القادة الإيرانيين الذين زعمت إسرائيل اغتيالهم إلى الظهور، ثم اجتاحت مواقع التواصل صور ومقاطع فيديو تُظهر دمارًا واسعًا في إسرائيل، وأخرى تزعم أن إيران تستعد لاستخدام قنبلة نووية، بالإضافة إلى مشاهد خراب في طهران، لكن تبيَّن أن غالبية تلك المواد قديمة تعود لحروب سابقة، أو معدَّلة، أو تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعي.

بخلاف الحرب التى كانت تدار بالصواريخ والتصريحات، دارت حرب شائعات أخرى في وسائل التواصل الاجتماعي، أطلقت العنان لأكثر من 120 شائعة وصورة وفيديو، استمرت لمدة 12 يومًا في حرب إيران وإسرائيل، حتى وقف إطلاق النار، وتنوَّعت الشائعات بين أنباء عن اغتيالات، وعمليات عسكرية وهمية، وأخرى مرتبطة بسقوط مدن أو تفكك النظام الإيراني، ووجدنا أن كثيرًا منها صُمم ليخلق ارتباكًا متعمدًا، أو ليدعم طرفًا معينًا على حساب آخر، أو لرفع الروح المعنوية.

66 شائعة ضد إسرائيل.. و35 ضد إيران

وبلغ عدد الشائعات التى استهدفت إسرائيل 66 شائعة، بما يمثل نحو 55% من إجمالي الشائعات المرصودة، تلتها إيران بـ35 شائعة بنسبة 29.2%، ثم الولايات المتحدة بـ13 شائعة بنسبة 10.8%، بينما سُجلت 6 شائعات أخرى وُصفت بأنها رمادية أو ساخرة أو غير محددة التوجُّه، بنسبة بلغت 5%.

وتُظهر أنماط النشر أن منصة «إكس»، تويتر سابقًا، كانت المصدر الأبرز لانتشار الشائعات خلال الحرب بين إيران وإسرائيل، متفوقة بفارق ملحوظ على باقي المنصات، تلتها «إنستجرام» التى انتشرت عبرها مقاطع الفيديو والصور المفبركة بوتيرة متسارعة، ثم منصة «فيس بوك» التى احتلت المرتبة الثالثة من حيث عدد المنشورات الزائفة.

مقاطع الفيديو الأكثر تداولًا

أما من حيث نوع المحتوى، فقد تصدَّرت مقاطع الفيديو قائمة المواد الزائفة الأكثر تداولًا، تليها الصور، ثم التصريحات المفبركة التي نُسبت إلى شخصيات بارزة، مثل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والمرشد الإيراني علي خامنئي، وعدد من المسئولين الإيرانيين، ومن بين أكثر الشائعات المرتبطة بالحرب، لاحظنا أن ما لا يقل عن 50% منها كانت مكررة بصيغ أو وسائط مختلفة، فظهرت المعلومة أو الخبر المضلل مرة في تغريدة نصية، ومرة أخرى في فيديو، أو تكررت على المنصة نفسها بأكثر من صيغة.

كما أن بعض الشائعات أعيد نشرها لاحقًا بعد تعديل بسيط في التاريخ أو الصورة أو الصياغة، لتبدو كأنها جديدة، وكانت أكثر الشائعات مرتبطة بالدمار في إسرائيل جرَّاء الصواريخ الإيرانية، ثم استهداف منشأة فوردو بقنبلة «جي بي يو 57 الخارقة للتحصينات»، وإشاعات أخرى ارتبطت بأسماء اغتيالات لشخصيات على قيد الحياة، من بين أكثر الأخبار الزائفة انتشارًا وتأثيرًا خلال الحرب، شائعة إسقاط إيران لمقاتلات أمريكية من طراز F-35، وأسر مجندة إسرائيلية بعد إسقاط طائرة «F 16».

«الوطن» تتحق من الأخبار المضللة

«الوطن» تحققت من هذه المزاعم، وتبين لنا أن وسائل إعلام إيرانية رسمية وشبه رسمية نشرت بالفعل أخبارًا عن إسقاط الطائرة وأسر مجندة، وفي المقابل نفت تل أبيب، أما شبكة «CNN» الأمريكية، فقد نفت وقوع الإسقاط، لكنها استندت في نفيها إلى صور ومقاطع فيديو متداولة غير حقيقية تُظهر لحظة إسقاط الدفاع الجوي الإيراني الطائرة وأخرى تُظهر الطائرة أثناء اشتعال النيران بها على الأرض، ما يعنى أن الشائعة لم تُحسم بعد بشكل قاطع، لكن خبراء يرجحون أنها كانت عبارة عن «حرب إعلامية فقط».

وظهرت شائعة أخرى مرتبطة بالمجندة الإسرائيلية، قيل إن اسمها سارة أحرونوت، لكن كان الادعاء مضللًا، إذ أظهر بحث «الوطن» أن الصورة تعود لأول طيارة بحرية في تشيلي، واسمها دانييلا فيجيروا شولز، وليست لمجندة إسرائيلية. ومن أبرز الشائعات التي انتشرت خلال الحرب الإيرانية الإسرائيلية، الادعاء بنشر لحظة قصف منشأة «فوردو» النووية الإيرانية، فقد نشر الإعلامي الأمريكي الشهير شون هانيتى، مذيع شبكة «فوكس نيوز» مقطع فيديو عبر صفحته على «إكس» يُظهر دمارًا هائلًا يُشبه آثار قنبلة نووية، زاعمًا أنه ناتج عن قصف المنشأة.

وبالتحقق تبيَّن أن الفيديو يعود إلى قصف إسرائيلي استهدف مدينة طرطوس السورية ومخزن أسلحة تابعًا للجيش السورى. لاحقًا، حذف «هانيتي» الفيديو من صفحته دون أي توضيح.

اغتيالات في إيران وإسرائيل

ومن ضمن الشائعات التى حققت رواجًا وانتشارًا واسعًا كان الإعلان عن اغتيال المتحدث العسكرى للجيش الإسرائيلى، أفيخاي أدرعي، لكن معظمها كانت من مصادر غير موثوقة أو حسابات وهمية على مواقع التواصل الاجتماعي، وحتى الآن، يظهر «أفيخاي» عبر صفحته على منصة «إكس» باستمرار.

شائعات الاغتيالات لم تكن فى إسرائيل فقط، فبعد نحو 12 ساعة فقط من هجوم إسرائيل على إيران، أعلنت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية أنباء عن اغتيال إسماعيل قآني، قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، ونقلت الخبر وسائل الإعلام الإسرائيلية، كصحيفة «جيروزاليم بوست»، ولم تنفِ أو تؤكد إيران الخبر، ليظهر «قآني» خلال احتفالات النصر فى طهران، نافيًا بنفسه شائعة اغتياله، وهو الأمر الذي حدث أيضًا مع رئيس الأركان الإيراني عبدالرحيم موسوي ومستشار المرشد الإيراني، علي شامخاني، إذ أعلنت إسرائيل اغتيالهما، ليظهرا فى تصريحات نافيين ذلك.

وخلال الحرب أيضًا، أُعلن فجأة عن اغتيال الرئيس الإيراني الأسبق أحمدي نجاد، إلا أن التليفزيون الإيراني نفى الأمر، واعتمد مُصدر الشائعات على واقعة سابقة للرئيس الإيراني الأسبق نجا خلالها من عملية اغتيال خلال العام الماضي.

واستُخدم الذكاء الاصطناعي «Ai» بكثرة خلال الحرب، فكان الإعلان عن تحرك إيراني لاستخدام القنابل النووية لقصف إسرائيل، وأظهرت فيديوهات وصور الصواريخ النووية، لكن بالبحث والتدقيق، اتضح أنها مُعدَّلة بالذكاء الاصطناعي، كما لم تعلن إيران الأمر قط.

خبراء: نشهد استخدام التزييف العميق خلال أوقات الحرب

قال عدد من خبراء حروب المعلومات إن العالم يشهد استخدام التزييف العميق خلال أوقات الحرب، وإن الناس انخدعوا ونشروا الشائعات خلال المواجهات الأخيرة بين إيران وإسرائيل، والصور المزيفة استخدمت على نطاق واسع، بدليل اكتشاف حملات عديدة مُنسقة عبر منصة «إكس»، ومن المرجح أن تكون جهات حكومية وراء انتشار المحتوى المضلل.

يقول دارين لينفيل، الباحث في التضليل الإعلامي على وسائل التواصل الاجتماعي وأستاذ الإعلام السياسي جامعة كليمسون الأمريكية، إنه خلال الحرب التي استمرت 12 يومًا، اكتشف العديد من الحملات المُنسقة والتي تستهدف الحرب عبر منصة «إكس»، مشيرًا إلى أنه من الصعب تحديد المنصات الأكثر نشاطًا بسبب عدم وجود رؤية متساوية لجميع المنصات، مضيفًا: «لا تتيح شركة ميتا جميع بياناتها للباحثين والأكاديميين، في حين أن منصات مثل تيليجرام تتمتع بقدر كبير من الخصوصية ولا يمكن الوصول إلى محتواها إلا من خلال الانضمام المباشر إلى القنوات، ومع ذلك، فإن عمليات التأثير تنتشر عبر النظام البيئي الرقمي بأكمله».

أساليب التضليل الإعلامي

تستخدم حملات التضليل الإعلامي والشائعات أساليب عديدة، مثل حسابات «المُتصيدين» الوهمية، كما أن وهناك طريقة شائعة أخرى وهي استغلال أشخاص حقيقيين، حيث تُنظم بعض الدول مجموعات من المُوالين لها، وغالبًا ما تكون منظمات شبابية، وذلك للترويج للدعاية الحكومية عبر الإنترنت.

لكن وفقًا لـ«لينفيل» هناك آلية أكثر شيوعًا في عملية التضليل الإعلامي، وهي الاستعانة بشركات تسويق لترويج الدعاية، يقول: «من الشائع جدًا رؤية نفس الحساب الذي يُروّج للعملات المُشفرة يومًا ما ليُروّج للدعاية الحكومية في اليوم التالي»، وذلك في إشارة إلى أنه يعمل وفق التوجه.

انتشار الشائعات والأخبار الزائفة خلال الحروب والأحداث المختلفة تؤثر بشكل أو بآخر على الشعوب، يقول «لينفيل»، إن الناس يصدقون ما يريدون تصديقه، وهو ما يحدث مع التضليل الإعلامي، إذ تستهدف الجهات الفاعلة الجماهير برسائل مُصممة خصيصًا لهم، ويميلون إلى تصديقها، وهو ما يؤدي إلى تقوية مواقفهم عن قضايا عالمية مهمة.

سألنا «لينفيل» عن رأيه في تحوّل وسائل التواصل الاجتماعي إلى أداة في خدمة بعض الحكومات، فأوضح أن جميع وجهات النظر متاحة عبر هذه المنصات، لكن الوصول إليها ليس دائمًا سهلًا، مؤكدًا أن الدول القومية، بفضل ما تملكه من موارد وإمكانات، تتمتع بأفضلية واضحة في نشر الدعاية والتأثير على الرأي العام.

بعد اطلاعها على تحقيق «الوطن».. «براينت»: معلومات مضللة كثيرة تداولت خلال الحرب

وقالت الدكتورة إيما براينت، الخبيرة في حروب المعلومات والدعاية، والأستاذة المشاركة في جامعة نوتردام، وكان لها دور بارز فى فضيحة «كامبريدج أناليتيكا» الشهيرة، إنه بعد اطلاعها على البيانات التي كشفتها «الوطن» ضمن تحقيق «حرب الشائعات بين إيران وإسرائيل»، تبين وجود كم كبير من المعلومات المضللة المتداولة حول الحرب، مصدرها أطراف متعددة، وأشارت إلى أن هذه الشائعات تتبع نمطًا متكررًا يشمل إعادة استخدام مقاطع فيديو قديمة تعود لحروب وصراعات سابقة، وترويجها على أنها أحداث راهنة.

جهات حكومية تدفع لانتشار المحتوى المضلل

وتضيف «إيما»: «من المرجح أن تكون جهات حكومية هي التي تدفع باتجاه انتشار هذا المحتوى المضلل، لأنها الأكثر استفادة من هذه الادعاءات، لكن في الحروب المعاصرة، نجد أيضًا تعددًا في الجهات الفاعلة المتورطة، بما في ذلك أولئك الذين يستفيدون ماليًا من المحتوى الفيروسي، والدول الأجنبية ذات المصالح الذاتية، والمؤمنين الحقيقيين بقضية معينة سواء داخل البلاد أو خارجها».

والمحتوى الفيروسي، هو نوع ينتشر بسرعة كبيرة على الإنترنت، ويتداوله عدد هائل من الناس خلال وقت قصير، بسبب جاذبيته أو صدمته أو تأثيره العاطفي.

وترى الخبيرة فى حروب المعلومات، أن هناك زيادة كبيرة فى المحتوى الكاذب السلبي المنتشر عن إيران، خاصة فيما يتعلق بالحرب، وأن عددًا هائلًا من المعلومات المضللة تخدم مصالح إسرائيل، لكنها ترى أيضًا أن هناك مصالح عالمية متنافسة فى المنطقة تتجاوز مصالح إيران وإسرائيل، وقد تستفيد هي الأخرى من انتشار المحتوى المناهض لإيران والاضطرابات المحيطة بها.

وتابعت قائلة إنه خلال العقد الأخير، تغيّرت قواعد حروب المعلومات، فلم تعد أدوات التضليل الإعلامى حكرًا على الجيوش وأجهزة المخابرات، بل أصبحت متاحة لشركات خاصة وأفراد، بفضل تقنيات الذكاء الاصطناعي وأدوات التلاعب الرقمية.

تطور أدوات التزييف بشكل غير مسبوق

وتكمل الدكتورة «إيما» حديثها قائلة إن الأدوات المتطورة في حروب الشائعات كانت متاحة سابقًا للدول فقط، لكنها تطورت بشكل غير مسبوق، بما في ذلك استخدام البيانات الخاصة لتحديد هوية الأفراد والتلاعب بهم، كما أصبح نشر المعلومات المضللة أرخص وأسهل وأسرع وأكثر فاعلية وربحية، ما أدى إلى سباق تسلح عالمى مزدهر على أدوات التأثير السلوكي. وتؤكد أيضًا أن الشركات أو المجموعات الخاصة أو الأفراد يلعبون دورًا في الحرب بطرق مختلفة، حتى أدوات شائعة الاستخدام مثل أدوات الذكاء الاصطناعي، أصبح من الممكن استخدامها لتصميم الحملات، وهي أدوات سهلة التوفر يمكنها إنشاء محتوى مثل مقالات إخبارية وصور وفيديوهات وحسابات شخصية مزيفة، ثم تحقق انتشارًا عالميًا.

أخبار مضللة في حرب إيران وإسرائيل

هانى فريد، الأستاذ بجامعة كاليفورنيا الأمريكية، والمتخصص فى تحليل الصور الرقمية وكشف الصور المعدَّلة رقميًا والمعلومات المضللة، يقول بعد أن اطلع أيضًا على ما توصلت إليه «الوطن» من أخبار مزيفة، إنه منذ لحظة انطلاق الحرب الروسية الأوكرانية، مرورًا بالحرب فى غزة، شهد العالم استخدام التزييف العميق خلال أوقات الحرب. لكنه يؤكد أنه في حرب إيران وإسرائيل، انتشرت تلك الأخبار بشكل غير طبيعي، مثل الصور ومقاطع الفيديو المزيفة أو المضللة عبر الإنترنت، يقول: «من الصعب تحديد ذلك نظرًا لحجم منصات التواصل الاجتماعي، وأيضًا لأننا لا نملك أي فكرة تقريبًا عن تطبيقات المراسلة الشائعة مثل واتساب حيث تتدفق الكثير من المعلومات المضللة».

وفيما يتعلق بقدرة التلاعب بمقاطع الفيديو والصور على أن يصبح أكثر إقناعًا للمستخدم في السنوات الأخيرة وما الذي يجعل من الصعب على الناس التمييز بين الحقيقى والمزيف، قال إن الذكاء الاصطناعى التوليدي أصبح قادرًا على إنشاء صور ومقاطع فيديو جذابة بطريقة لم تكن ممكنة حتى قبل 12 شهرًا من الآن.

كيف يميز الناس بين الحقيقي والمزيف؟

يوضح «فريد» العديد من الأشياء المرتبطة بقدرة الناس على التمييز بين الحقيقي والمزيف، وهى جاذبية المحتوى المولد عن طريق الذكاء الاصطناعي، كما يميل المستخدمون على وسائل التواصل الاجتماعى إلى التفاعل السريع مع المحتوى، دون التريث للتحقق من دقته أو مصداقيته، وهو ما يسهم في انتشار المعلومات المغلوطة، كما أن وسائل التواصل الاجتماعي مُصممة من الأساس بطريقة لجذب المستخدمين، ولذلك تُروِّج خوارزمياتها لمحتوى مُصمم لإثارة المشاعر لزيادة التفاعل دون الحاجة إلى الكثير من التفكير النقدى، كما أصبحت بمثابة غرفة صدى تُروّج لمحتوى يتوافق مع وجهات نظر الشخص حول العالم، وبالتالي ليس من الصعب إقناعه بأشياء يؤمن بها بالفعل أو يرغب فى تصديقها.

صعوبة التحقق من المحتوى المنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي

لا تزال الأدوات التقنية عاجزة عن توفير وسيلة موثوقة لكشف الصور ومقاطع الفيديو المزيفة، ما يجعل من الصعب التحقق من المحتوى المنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي، وفى ظل هذا العجز، يرى الأستاذ بجامعة كاليفورنيا، أن الحل الأكثر أمانًا هو التوقف عن الاعتماد على هذه المنصات كمصدر رئيسي للأخبار، إذ لم تُصمم وسائل التواصل لنقل معلومات دقيقة، بل صُممت لجذب الانتباه وإبقاء المستخدمين فى حالة تفاعل دائم، من خلال محتوى سريع الاستهلاك أشبه بـ«الوجبات السريعة»، وبحسب خبراء في هذا المجال، فإن هذه المنصات أصبحت بيئة خصبة للأكاذيب ونظريات المؤامرة ومحتوى الذكاء الاصطناعي المضلل، إلى حد يُفقدها الموثوقية تمامًا.

ويرى «فريد» أن هناك جهات فاعلة تنشر المعلومات والأخبار الزائفة، برعاية دول من روسيا والصين وإسرائيل وغيرها، ويؤكد أن وسائل التواصل الاجتماعي لا تبذل جهدًا كافيًا على الإطلاق في مكافحة التضليل، ومنذ تغيير الإدارة الأمريكية وعودة دونالد ترامب، ابتعدت منصات التواصل الاجتماعي بشكل كبير عن الإشراف الأكثر مسئولية على المحتوى.

يقول البروفيسور تشيراج شاه، أستاذ علوم الكمبيوتر والهندسة الرقمية بجامعة واشنطن، ومدير مختبر انفوسيكينج لدراسة سلوك البحث عن المعلومات، إنه لاحظ انتشار الكثير من الدعاية والمعلومات المغلوطة من جانب إيران وإسرائيل، وليس فقط من الدولة والمؤسسات الرسمية، بل أيضًا من قبل الأفراد وبعض المؤثرين فى وسائل الإعلام.

ويضيف: «شهدنا عدة حالات لصور ومقاطع فيديو مفبركة تُنشر على وسائل التواصل الاجتماعي، تُصوِّر أحداثاً لم تحدث، ولكن بالطبع انخدع الناس بها ونشروا تلك الشائعات والمعلومات المضللة».

تحدي كبير للحد من المعلومات المضللة

يرى «شاه» أن مكافحة المعلومات المضللة تمثل تحديًا كبيرًا أمام الحكومات وشركات التكنولوجيا، إذ إن الأساليب التقليدية للتحقق باتت بطيئة فى مواجهة أدوات التزييف المتطورة، وبدلًا من التركيز فقط على المحتوى، يدعو إلى توجيه الجهود نحو توعية المستخدمين، عبر تعزيز قدرتهم على التحقق، وفهم السياق، وتوفير تنبيهات ومصادر موثوقة تساعدهم على التمييز بين الحقيقة والتضليل، مؤكدًا أن الصور المزيفة استخدمت على نطاق واسع خلال الحرب الإيرانية الإسرائيلية الأخيرة، واستخدمها المواطنون العاديون والمواقع الصحفية.

ومع تزايد تطور أدوات إنتاج هذه الصور والفيديوهات، أصبح من الشائع رؤية مثل هذه المواد الإعلامية المفبركة، وصعوبة اكتشافها، ويؤكد أيضًا أن الطريقة الأساسية والأمل التى نملكه للكشف عن هذه المواد هي من خلال سياقات إضافية وتطبيق معايير صحفية للتحقق من المصادر، لكنها تتطلب بعض الوقت والجهد والمهارات، والتي غالبًا ما يفتقر إليها المستخدم العادي.


مواضيع متعلقة