مشروع منخفض القطارة (1)

أرسل لى الدكتور زكريا الحداد، أستاذ هندسة النظم الزراعية والحيوية جامعة بنها، أعمال ورشة عمل مهمة عقدتها نقابة المهندسين مؤخراً، واستضافت خبراء وأكاديميين من تخصصات عدة، حول سبل قيام مشروع قومى مهم فى الصحراء الغربية عند «منخفض القطارة» الذى تبلغ مساحته 19 ألف كم2 ويصل عمقه إلى 133 متراً تحت سطح البحر.


حسب ما أرسله لى الدكتور زكريا، فقد بدأت فكرة المشروع عن طريق عالم الجغرافيا الفرنسى فرنسوا أوليدير عام 1912، ثم تلقفته الجمعية الملكية البريطانية عام 1927، وخلصت إلى أن هناك عقبات كثيرة تقف أمام تنفيذه، رغم إمكاناته الاقتصادية الكبرى. وفى عام 1957 قدمت المخابرات المركزية الأمريكية اقتراحاً للرئيس أيزنهاور بتبنى المشروع، وعرضته على الرئيس جمال عبدالناصر بهدف إبعاده عن الاتحاد السوفيتى، ولكن «عبدالناصر» فضّل مشروع السد العالى.


وفى عام 1964 كلفت وزارة المالية الألمانية فريقاً من ثمانية علماء بدراسة المشروع، وأسفرت عن النتائج التالية:


1- هناك عقبات رئيسية مثل انتشار الألغام، ولا توجد وسيلة للحفر إلا عن طريق القنابل النووية، ما يشكل خطراً كبيراً على المنطقة الجغرافية هناك.


2- حال التنفيذ يمكن توليد طاقة كهربائية على ثلاث مراحل؛ الأولى 670 ميجاوات، والثانية بقدرة 1200 ميجاوات، والثالثة بقدرة 4000 ميجاوات.


3- بوسع المشروع أن يجعل مصر أكبر منتج للملح فى العالم.


عاد العلماء المصريون ينظرون فى هذا المشروع، فمنذ عامين تقريباً ألّف المهندس المعمارى المصرى الشاب أحمد سمير زغلول كتاباً، لم ينشر، حوى مجموعة أفكار مبدعة، منها إعادة النظر فى المشروع ليكون شرياناً جديداً لتنمية مصر، وحمل الفكرة إلى ثلاثة من علمائنا الكبار، هم: الدكتور رضا عبدالسلام وكيل كلية الحقوق جامعة المنصورة، والدكتور حمدى العوضى المتخصص فى إدارة المياه، والدكتور حمدى الغيطانى أستاذ الطاقة الجديدة والمتجددة، وكلاهما من أعمدة المركز القومى للبحوث. فلما طالعوا الكتاب تأكد لهم أن الأمر يستحق الدراسة، وخاصة أن منخفض القطارة مصنف عالمياً بأنه أضخم مشروع تنموى على مستوى العالم حال تنفيذه.


ويقول د. زكريا إن هناك «دراسة ما قبل الجدوى» للمشروع قام بها ثلاثون عالماً فى تخصصات متباينة ومتداخلة، تم تقسيمهم إلى سبع مجموعات متخصصة، وهى: القانونية والجيولوجية والعمرانية والمائية وتوليد الطاقة الكهربائية والزراعية والأسماك، عكفت على الدراسة خمسة عشر شهراً، وتوصلت كل مجموعة إلى نتائج محددة مهمة ومفيدة.


وبالنسبة للجانب الزراعى، خلصت دراسة «الحداد» إلى أن المشروع سيؤدى إلى اكتفاء مصر من جميع ما تستورده من الأغذية، بل يكون بوسعها تصدير الفائض إلى السوق العالمية.


لكن الدراسة تشترط لتحقيق هذا أن تكون الممارسات الزراعية متواكبة مع أحدث نظم الإنتاج الزراعى فى العالم، والذى يعرف بنظام الزراعة الدقيقة أو الذكية Precision or Smart Agriculture، ويشمل خمسة عوامل رئيسية، هى:


1- ميكنة جميع العمليات الزراعية بدءاً من تمهيد مرقد البذرة وحتى الحصاد الكامل بما فى ذلك آلات الشتل الآلى.


2- استخدام نظم التموضع العالمى GPS ونظام المعلومات الجغرافية GIS ونظام الاستشعار عن بُعد Remote Sensing نظراً لأن استخدام هذه النظم يضبط حركة الآلات، كما يُسمح باستخدام أنواع متعددة من المستشعرات Sensors التى تضبط الرى، وتحدد درجة خصوبة التربة، ومتى يتوقع انتشار الأمراض أو الآفات للتعامل معها قبل حدوثها.


3- إحلال عمليات التسميد والمكافحة الكيماوية بنظام الزراعة الحيوية، وهو نظام يطبق الآن بنجاح كبير فى آلاف الهكتارات بمصر، وفى جميع أنواع المحاصيل، ويتميز بزيادة الإنتاج وخلو المنتج من متبقيات المبيدات وأقل فى التكلفة وهذا ما أدى إلى زيادة الصادرات المصرية مؤخراً.


4- بناء التربة عن طريق التحليل الطبيعى والكيماوى لها، واستخدام سماد غنى بكل ما يحتاجه النبات، يقوم على هضم أنواع معينة من ديدان الأرض للمواد العضوية وإخراجه فيما يعرف بالفيرمى كمبست.


5- اختيار المحصول المناسب لطبيعة التربة، ويكون ريه بمياه ملوحتها مناسبة.


ومن شأن تطبيق هذا النظام أن يؤدى إلى إنتاج محاصيل حقلية مثل القمح والذرة الصفراء وفول الصويا، والتى يكلف استيرادها مصر عشرة ملايين دولار سنوياً، إذ يمكن لمليون هكتار أن تنتج عشرة ملايين طن من القمح، ولـ665 هكتاراً أن تنتج 8 ملايين طن من الذرة الصفراء، ولنصف مليون هكتار أن تنتج مليونى طن فول صويا، وهى الأرقام التى نستوردها سنوياً.


علاوة على ذلك يمكن للمشروع مضاعفة كمية البطاطس التى تصدرها مصر سنوياً وهى مليون طن، بزراعة أربعين ألف هكتار، وتغطية احتياجاتنا من زيوت الطعام التى نستورد منها بما قيمته حوالى 2.5 مليار دولار، فيما تغطى 60% من احتياجاتنا من الفول السودانى، ونصف احتياجاتنا من زيت السمسم، و45% من زيت عبّاد الشمس، و40% من زيت الكانولا.