إرهاصات ثورة 23 يوليو 1952
في الساعات الأولى من فجر الأربعاء 23 يوليو 1952، وبينما المواطنون يؤرقهم حر صيف القاهرة اللافح، خرجت جحافل من ضباط وجنود الجيش لتشعل الثورة، في السنوات التي سبقت 1952، كانت مصر تعيش أزمة هوية واختناقًا عامًا.
كانت الدولة لا تزال تخضع للاحتلال البريطاني الذي ورّث البلاد أوجاعًا متتالية منذ عام 1882، بينما نظام الحكم الملكي بقيادة الملك فاروق يعيش حالة من الرفاهية والانفصال التام عن الشعب، هذا الانفصال بلغ ذروته حين دخل النظام الملكي والطبقات الحاكمة في "منطقة راحة"، لا تتوقع خطرًا حقيقيًا، ولا تُصغي للغليان الذي يجري تحت السطح.
حين تقترب ذكرى ثورة 23 يوليو 1952، تتجدد في وجدان الأمة تلك اللحظة الفاصلة التي انتقلت فيها مصر من عصر إلى آخر، من زمن الخضوع والفساد والتبعية إلى زمن الاستقلال الوطني والتغيير الجذري.
لكن الثورة لم تكن وليدة صدفة، ولم تُشعلها نزوة ضباط شباب، بل كانت نتيجة إرهاصات سياسية واجتماعية عميقة، ومقدمة طويلة من المخاض الشعبي والاحتقان السياسي، حتى بدا لكثيرين أن شيئًا كبيرًا قادم لا محالة.
بلغ الشارع المصري أقصى درجات الاحتقان والغضب، الطبقات الفقيرة مسحوقة تحت وطأة الإقطاع والضرائب الجائرة، والطبقة الوسطى تتآكل أمام فشل النظام السياسي في الإصلاح أو المواجهة، بينما كانت القوى السياسية تعيش صراعات بينها كتيارات متقاطعة وبين النظام أحيانا، دون بوصلة تجمعها.
في 26 يناير 1952، انفجر الغضب الكامن في مشهد مزلزل عندما اشتعلت النيران في قلب العاصمة المصرية، عُرف بـحريق القاهرة، التهمت النيران أكثر من 700 منشأة، من دور سينما ومخازن ومراكز تجارية ومؤسسات أجنبية، وسط شلل أمني تام، لم يكن الحريق مجرد عمل تخريبي، بل كان تعبيرا عن فقدان الثقة في النظام الحاكم، ورسالة، أن مصر على حافة الانفجار.
في 25 يناير 1952، قبل حريق القاهرة بيوم، وقعت معركة الإسماعيلية الشهيرة، حين تصدى جنود الشرطة المصرية لقوات الاحتلال البريطاني ورفضوا تسليم أسلحتهم، فحاصرتهم الدبابات البريطانية، واندلعت معركة غير متكافئة أسفرت عن استشهاد عدد كبير من رجال الشرطة.
هذا المشهد البطولي أعاد الروح للشعب، وكشف حجم الإذلال الذي يعيشه الوطن تحت الاحتلال، كانت تلك المعركة بمثابة الشرارة الوطنية الأخيرة التي مهّدت لقبول أي تحرك ضد النظام القائم، ومنذ يناير 1952 وحتى يوليو قام الملك بتغيير أربع حكومات، بمتوسط شهر ونصف مدة كل حكومة، حتى إنه قبل الثورة مباشرة قام بتعيين نجيب الهلالي رئيسا للحكومة.
في تلك اللحظة التاريخية، برز جمال عبد الناصر كقائد عسكري من نوع نادر، يتمتع بذكاء استراتيجي وتنظيمي فائق، بدأ منذ أواخر الأربعينات تشكيل تنظيم "الضباط الأحرار"، وهو كيان عسكري سري جمع نخبة من الضباط من مختلف الاتجاهات السياسية، لكنهم جميعًا يتفقون على هدف واحد: إنهاء الاحتلال، وإنقاذ الوطن من قبضة الملك والإقطاع.
كان ناصر يؤمن تمام الإيمان بأنه لن ينقذ البلاد إلا جيشها الوطني المخلص، اتسم عبد الناصر بأنه لم يكن متهورًا ولا عجولًا، كان يقرأ المشهد بدقة، ويُوزع المهام على رفاقه بذكاء، ويُبقي خططه بعيدة عن أعين القصر أو الاستخبارات البريطانية.
كان يجتمع سرًا، يُراقب عن كثب، ويتواصل مع كل التنظيمات السياسية السرية والعلنية، من الإخوان إلى الشيوعيين إلى حزب مصر الفتاة، ليعرف مكامن القوة ومواطن الضعف في النسيج السياسي المصري، وهو ما ساعده لاحقًا على ضبط إيقاع الثورة بعد نجاحها، بل استطاع ببراعة أن يراوغ إبراهيم عبد الهادي رئيس الوزراء الذي استدعاه للتحقيق معه فيما تردد عن قيادته تنظيما من الضباط داخل الجيش وأقنعه عبد الناصر بأنه لا يوجد في الجيش شيئا مما يشغل باله.
في ليلة الثالث والعشرين من يوليو 1952، تحرك الضباط الأحرار للسيطرة على مفاصل الدولة دون طلقة رصاص واحدة، ودون إسالة دماء.
كانت خطة الثورة تُدار بدقة ومهارة، بل استغل عبد الناصر تسرب معلومات عن التنظيم للقيادة العامة للجيش، فاجتمع قادة الجيش في مقر القيادة، وخشي بعض الضباط من القيام بالثورة في تلك الليلة، لكن عبد الناصر صمم على القيام بالثورة ووجد أن اجتماع القادة منحة من القدر لكي يتم القبض عليهم جميعا في ضربة واحدة.
وبالفعل تم القبض على كبار القادة العسكريين، والسيطرة على الإذاعة، وإبلاغ الشعب صبيحة اليوم التالي بخبر الثورة.
ساعدت حالة التراخي والثقة الزائدة داخل القصر الملكي، وغياب أي استشعار بالخطر، على إنجاح الخطة دون مقاومة تُذكر، ما يُحسب لعبد الناصر وفريقه الذي استغل اللحظة الذهبية بعقل بارد ويد ثابتة، ومنذ اللحظة الأولى، أعلنت الثورة عن ستة أهداف رئيسية:
القضاء على الاستعمار البريطاني.
القضاء على الإقطاع.
القضاء على سيطرة رأس المال على الحكم.
إقامة عدالة اجتماعية.
إقامة جيش وطني قوي.
إقامة حياة ديمقراطية سليمة.
تلقّف الشعب قيام الثورة وأهدافها بفرحة عارمة، وسرعان ما التف حولها، خاصة بعد تنحي الملك فاروق ورحيله في يخت المحروسة، أدرك الشعب أن شيئًا جديدًا قد بدأ، وأن زمام الوطن أصبح أخيرًا في يد أبنائه، لا في يد الخونة أو المستعمرين.
كانت ثورة 23 يوليو حدثًا مفصليًا صنعه ضباط من جيش مصر شبان في أعمارهم، قادة عظام في أفعالهم وأحلامهم الكبيرة، واستفادوا من حالة الغضب الشعبي والاحتقان السياسي والمشهد المهترئ للنظام الحاكم، قاد عبد الناصر التحول من الخفاء إلى العلن، ومن التنظيم السري إلى المشروع الوطني، بقدرة عسكرية هادئة وبُعد نظر سياسي نادر.
وإذا كان من درس دائم نتعلمه من الثورة، أن الإعداد الهادئ والمنظم، واستغلال اللحظة التاريخية، إنها ذكرى تستحق أن تُروى كل عام، وتُفهم كمخاض وطني حملت به مصر طويلاً، وولدته ذات فجر دون صراخ.. أو دم.. فقط بأمل كبير.