حين تتحدث الهوية من قلب الإسكندرية: وعيٌ شعبي يسبق السوشيال ميديا

مصطفى عمار

مصطفى عمار

كاتب صحفي

وسط أروقة التاريخ وحضارة المعرفة، وفى قلب مكتبة الإسكندرية العريقة، كان اللقاء مشحوناً بالوعى، والمشاعر، والانتماء.

ضمن فعاليات معرض الإسكندرية للكتاب، سعدتُ بمشاركتى فى ندوة حملت عنواناً غاية فى الأهمية والراهنية: «الهوية الوطنية والقوى الناعمة وتأثيرها فى المجتمعات العربية»، التى أدارها الصديق والإعلامى المتميز الدكتور محمد عبده بدوى، وحضرها طيف واسع من أبناء الشعب المصرى، من شباب فى مقتبل العمر إلى كبار السن أصحاب الخبرة والرؤية.

ما شدّ انتباهى وجعلنى أخرج من هذه الندوة بقدر كبير من الأمل، هو الوعى الحقيقى الذى يتمتع به الحضور، وقراءتهم الواعية لما تمر به منطقتنا وهويتنا من تحديات.

لم يكن الحاضرون مجرد متلقين، بل شركاء حقيقيون فى النقاش، يعكسون صورة مختلفة تماماً عن تلك التى تصدرها لنا مواقع التواصل الاجتماعى.

المصريون لديهم قدرة فطرية على الفرز وإدراك ما هو حقيقى مما هو مصطنع

فى الوقت الذى تنشغل فيه منصات «السوشيال ميديا» بترويج الصراعات الزائفة وتضخيم الخلافات ونشر الإحباط، وجدت فى هذا اللقاء أن الواقع الشعبى شىء آخر تماماً، فالمصريون، كما عهدناهم، لديهم قدرة فطرية على الفرز، وإدراك ما هو حقيقى مما هو مصطنع.

كان واضحاً أن الجميع، وخاصة الشباب، يدرك تماماً الخطر الذى تتعرض له الهوية المصرية عبر المنصات الإلكترونية، سواء عبر طمس الرموز أو استبدال القيم أو تشويه الذاكرة الجمعية.

ناقشنا أيضاً كيف يمكن للقوى الناعمة -من فن وثقافة وإبداع- أن تظل حارسة لهويتنا ومجتمعنا، وبرز من بين مداخلات الحضور اهتمام خاص بقضية «أتيليه الإسكندرية»، وهو واحد من رموز الحركة الثقافية فى المدينة، التى تمر بأزمة تستدعى تدخلاً مباشراً من وزير الثقافة الدكتور أحمد هنو، لإنقاذ هذا الصرح وحماية دوره كمركز للإبداع والحوار الثقافى.

أما ما أثلج صدرى بحق، فكان إيمان الحضور العميق بقيمة مصر ومكانتها، ووعيهم الكامل بتحديات المرحلة.

الحضور لديهم إيمان عميق بقيمة مصر ومكانتها ووعى بتحديات المرحلة وحروب الجيل الرابع والخامس

الجميع تحدث عن حروب الجيل الرابع والخامس، عن معركة الوعى، عن التزييف الذى يتم على أيدى منصات معادية، وعن كيف تحول المواطن المصرى إلى خط الدفاع الأول عن وطنه وهويته.

كان الحضور واعياً بقدر ما كان مخلصاً، تحدثوا عن الجيش المصرى بفخر، وعن التضحيات التى يبذلها رجاله على الحدود، وعن إدراكهم لما واجهه الرئيس عبدالفتاح السيسى منذ أن تحمّل المسئولية فى لحظة فارقة من عمر الوطن.

تحدثوا عن إعادة بناء الدولة، عن المشاريع العملاقة، عن الأمن والاستقرار، والأهم: عن الثقة بالمستقبل، رغم كل التحديات.

لمست إيمان الحاضرين بأن الثقافة والفنون ليست ترفاً بل من ركائز الأمن القومى

ولعلّ أجمل ما لمسته من الحاضرين، هو إيمانهم العميق بأن الثقافة والفنون ليست ترفاً، بل من ركائز الأمن القومى. طالبوا بزيادة الدعم للمجال الثقافى، وبإعادة الاعتبار لدور مصر الريادى إقليمياً من بوابة الفن والمعرفة والإبداع.

خرجت من الندوة وأنا فخور، لا فقط بما طُرح من أفكار، ولكن بهذا الشعب الذى لا يُهزم. شعب يدرك قيمة وطنه، ويؤمن به، ويحلم له بالأفضل، رغم كل الصعاب.

لم أشعر بالخوف على مصر أبداً، ما دام فى هذا الوطن من يُحبها إلى هذا الحد، ومن يفكر لها بهذا العمق.

■■ الوجود داخل مكتبة الإسكندرية، هذا الصرح التنويرى العظيم لم يكن مجرد مشاركة فى ندوة، بل تجديد للإيمان بمستقبل هذا البلد، وثقافته، وهويته. ففى كل ركن من أركان هذا المكان، ينبض التاريخ، ويُزرع الأمل.