«حرب الـ12 يوما».. «حلم إسرائيل الكبرى» يصطدم بوقائع التاريخ

كتب: محمود العيسوي

«حرب الـ12 يوما».. «حلم إسرائيل الكبرى» يصطدم بوقائع التاريخ

«حرب الـ12 يوما».. «حلم إسرائيل الكبرى» يصطدم بوقائع التاريخ

بينما يسعى رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلى، بنيامين نتنياهو، إلى ترويج «رؤية خبيثة» بأن منطقة الشرق الأوسط على وشك الدخول فى «حقبة سلام غير مسبوقة»، فى الوقت الذى يواصل فيه ارتكاب أبشع الجرائم ضد الإنسانية، متمثلة فى جريمة «الإبادة الجماعية» بحق أبناء الشعب الفلسطينى، تقف الوقائع الميدانية والسياسية على الأرض شاهدة على مشهد أكثر تعقيداً وغموضاً.

ورغم الضربات العسكرية التى تلقَّتها إيران وحلفاؤها مؤخراً، والتحركات الدبلوماسية الجارية بين تل أبيب وعدد من خصومها التاريخيين، فإن «الفجر الجديد»، الذى يبشر به البعض، ممن يروجون للأوهام الواردة فى «بروتوكولات حكماء صهيون» حول «حلم إسرائيل الكبرى»، لا يزال غارقاً فى «سحب الشكوك»، بل ويواجه عقبات عميقة، قد تؤدى إلى تكرار سيناريوهات الماضى، خاصةً أن فرص تجاوز الصراعات المعقدة فى المنطقة تبدو ضئيلة للغاية.

«نيوزويك» ترصد كواليس التحركات بين «تل أبيب» و«الخصوم التقليديين»: عقبات عميقة تؤدى إلى تكرار سيناريوهات الماضى

تصريحات «نتنياهو» التى قال فيها إن «الشرق الأوسط يقف على أعتاب حقبة جديدة أكثر سلماً واستقراراً» أثارت انتباه الكاتب الأمريكى «دانيال آر. ديبتريس»، الذى سعى إلى رصد كواليس التحركات الجارية بين المسئولين فى تل أبيب، وعدد ممن وصفهم بـ«الخصوم التقليديين» للدولة العبرية، وكتب فى صحيفة «نيوزويك» أنه بعد مرور شهر على «حرب الـ12 يوماً» بين إسرائيل و«محور إيران»، عاد الحديث عن احتمال بزوغ «فجر جديد» فى منطقة الشرق الأوسط، حديث حمل نبرة «انتصار زائف» من قبَل رئيس الحكومة الإسرائيلية الذى أكد من البيت الأبيض، الأسبوع الماضى، أنه يرى فرصة حقيقية لتحقيق «سلام شامل» بين إسرائيل وجيرانها العرب، بفضل ما وصفه بـ«القيادة الحاسمة» للرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، قائلاً: «أعتقد أننا بفضل هذه القيادة، وبالعمل المشترك، قادرون على تحقيق سلام واسع جداً، يشمل كل جيراننا».

هذه النبرة الإسرائيلية، التى عادةً ما ترافق أحاديث المتطرفين اليهود عن «حلم إسرائيل الكبرى»، اكتسبت بعض الزخم بعد الضربات العسكرية الأخيرة، التى استهدفت عدداً من المنشآت النووية الرئيسية فى إيران، إضافة إلى كبار القادة العسكريين فى الحرس الثورى الإيرانى، فضلاً عن عدد من العلماء الذين تعتمد عليهم طهران فى تطوير برنامجها النووى، حيث شنَّت المقاتلات الإسرائيلية عدداً من الغارات الدقيقة، التى ألحقت أضراراً كبيرة بالبنية التحتية للدفاعات الجوية الإيرانية، قبل الغارة الجوية التى شنَّتها قاذفات الشبح الأمريكية «بى-2» على المنشآت النووية فى كل من «نطنز» و«فوردو» و«أصفهان»، ولم تسفر هذه الغارات عن تعطيل برنامج إيران النووى لعدة سنوات فقط، بل أدت أيضاً إلى تراجع كبير فى القدرات العسكرية التقليدية للجمهورية الإسلامية.

واعتبرت الصحيفة الأمريكية أن هذه الضربات هى «الأقوى» منذ الحرب الإيرانية - العراقية فى ثمانينات القرن الماضى، كما أن «شبكة الميليشيات الإقليمية» الموالية لطهران، المعروفة باسم «محور المقاومة»، مثل «حزب الله» فى لبنان، وجماعة «الحوثيين» فى اليمن، وبعض المجموعات المسلحة فى كل من سوريا والعراق، تبدو «منهكة للغاية» بعد أكثر من عام من الغارات الجوية والعمليات البرية الإسرائيلية المتواصلة، مما مهَّد الطريق أمام تحريك عدد من الملفات السياسية الحساسة، بعيداً عن التصعيد العسكرى، خاصةً على جبهتَى لبنان وسوريا.

وفى هذا السياق، دخل السفير الأمريكى لدى تركيا، توم باراك، على خط الوساطة بين إسرائيل و«حزب الله» والحكومة اللبنانية، ووصف رد الحكومة اللبنانية على مبادرة واشنطن لنزع سلاح الحزب الموالى لإيران بأنه «كان رائعاً»، مما يعكس استعداداً سياسياً لم يكن مطروحاً فى السنوات الماضية، للدفع باتجاه «تطبيع» العلاقات بين تل أبيب وبيروت.

وفى تطور أكثر إثارة للجدل، أشارت صحيفة «نيوزويك» إلى أن سوريا، التى تعيش «مرحلة ما بعد بشار الأسد»، فى ظل إدارة الرئيس الجديد أحمد الشرع، تُجرى محادثات سرية مع إسرائيل، تهدف إلى «استكشاف فرص تطبيع تدريجى للعلاقات»، وجاءت هذه المحادثات بعد أن أزالت الولايات المتحدة بعض العقوبات المفروضة على سوريا، وأعادت قنوات الاتصال مع دمشق.

إلا أنه رغم هذه التحركات، التى تقودها واشنطن عبر أذرعها فى المنطقة، تبقى العقبات السياسية والأمنية ماثلة فى الأفق، فالمفاوضات بين إسرائيل ولبنان لا تزال متعثرة، بسبب استمرار الضربات الإسرائيلية على مواقع «حزب الله» فى جنوب لبنان، ورفض الحزب التجاوب مع الشروط الإسرائيلية، التى تتضمَّن نزع السلاح، والانسحاب من مناطق حدودية، ويجد الرئيس اللبنانى، جوزيف عون، نفسه فى وضع حرج، فلا هو من مؤيدى «حزب الله»، ولا يستطيع أن يظهر بمظهر «المتهاون» أمام الضغوط الإسرائيلية.

وكذلك يبدو الملف السورى «أكثر تعقيداً»، فرغم استعداد إدارة الشرع لتجاوز مواقف الأسد، فإن مسألة الجولان تظل محوراً حساساً للغاية، فالتخلى عن المطالبة باستعادة المرتفعات المحتلة مقابل التطبيع سيمثل انقلاباً جذرياً فى سياسات دمشق، وقد يثير تمرداً داخل أجنحة النظام الأكثر محافظة، ويضاف إلى ذلك أن إسرائيل لم تتردد، قبل أسابيع، فى توجيه ضربة جوية قرب القصر الرئاسى فى دمشق، فى رسالة اعتُبرت تحذيراً صريحاً بعدم تجاوز «الخطوط الحمراء».

وأضافت الصحيفة، فى تقريرها، أنه وسط كل هذه التحولات، فإن حرب الإبادة الجماعية فى قطاع غزة، إضافة إلى استمرار احتلال إسرائيل مرتفعات الجولان السورية، فضلاً عن اغتيال قيادات «حزب الله»، جميعها عوامل تشكل «مصدات» أمام انطلاق أى محاولات للتطبيع الحقيقى فى المنطقة، وأوضحت أن القصف الإسرائيلى المستمر على الفلسطينيين فى غزة، والخسائر البشرية المفجعة، تجعل من الصعب على أى عاصمة عربية أن تخطو علناً تجاه التطبيع مع تل أبيب، دون خسائر سياسية فادحة على المستوى الشعبى والداخلى.

واختتم «ديبتريس» مقاله بالقول إنه من الناحية النظرية، قد تمتلك إسرائيل اليوم فرصة نادرة لإعادة رسم الخريطة الإقليمية، لكن من الناحية العملية، ما زالت التوازنات الداخلية والخارجية، والتحالفات الأيديولوجية، والذكريات الثقيلة للصراعات السابقة، تُلقى بظلالها على أى محاولة لإحلال سلام شامل، وبهذا، يظل «الفجر الجديد»، الذى يتحدث عنه نتنياهو ومَن هم على شاكلته من مروجى «بروتوكولات حكماء صهيون»، مؤجلاً حتى إشعار آخر.


مواضيع متعلقة