أفلح ترامب إن صدق

أميرة خواسك

أميرة خواسك

كاتب صحفي

أفلح الرئيس دونالد ترامب إن صدق ونجح فيما وعد به من حل لقضية سد النهضة الإثيوبى خلال لقائه مع الأمين العام لحلف الأطلسى مارك روته، حيث قال إن الولايات المتحدة تعمل على حل مشكلة سد النهضة الإثيوبى وإن بلاده ستحل هذه المشكلة بسرعة كبيرة، وقال أيضاً «لقد عملنا على ملف مصر مع جارتها، وهى دولة (كانت) جارة جيدة وصديقة لنا، لكنها قامت ببناء واحد من أكبر السدود فى العالم على مسافة قريبة من مصر، مما أغلق تدفق المياه عن نهر النيل، وهو مصدر مهم للدخل وللحياة فى مصر، إنه شريان الحياة وسلبه منها أمر لا يُصدق».

كما اعترف ترامب بأن الولايات المتحدة هى من موّلت بناء السد، وقال ساخراً: لماذا لم يحلّوا المشكلة قبل أن يقوموا ببناء السد؟ السؤال الذى طرحه الرئيس ترامب سؤال منطقى، لكن إجابته واضحة، وهى أن الإدارات السابقة للولايات المتحدة كانت تريد أن تضع شوكة فى ظهر الدولة المصرية، وتشغلها فى قضية تمس أمنها المائى والقومى، ولا بأس أن تستخدم هذه القضية من حين لآخر لابتزاز الإدارة المصرية حيناً والتشكيك فى قدراتها الدبلوماسية، وزعزعة أمنها حيناً، ولا مانع من التلويح بالحرب أو ضرب السد العالى وغيرها مما شاهدناه من استفزاز على مر السنوات الماضية.

لم تكن هذه هى المرة الأولى التى يتناول فيها الرئيس الأمريكى موضوع سد النهضة متفهماً للموقف المصرى، ففى فترته الرئاسية الأولى صرح بأحقية مصر فى ضرب سد النهضة لكونه يهدد حياة المصريين، ولا يعرف أحد إن كانت تلك التصريحات الأخيرة التى أدلى بها الرئيس الأمريكى تنم عن قناعته، أم هى رغبة فى كسب ودّ الدولة المصرية، بعد أن علم القاصى والدانى موقف مصر الصلب الرافض الذى اتخذته فى مواجهة ما طرحه ترامب أيضاً من تهجير الفلسطينيين فى قطاع غزة إلى سيناء والأردن، ووضع الرئيس السيسى شرطاً واضحاً امتنع على إثره عن زيارة الولايات المتحدة التى كان مقرراً لها أن تتم فى شهر أبريل الماضى بألا يتم طرح هذا الأمر الذى اعتبرته مصر قضاءً على القضية الفلسطينية.

لكن الأهم فى تصريحات الرئيس ترامب هو أنه كشف بكل صراحة المسكوت عنه، وأجاب عن علامات الاستفهام حول تمويل سد النهضة، وحصر الاتهام فى الولايات المتحدة، بعد أن طالت دولاً عديدة أوروبية وعربية، ولكن هاهى الولايات المتحدة الأمريكية تطل من جديد لوضع العراقيل والأزمات أمام الشعب المصرى، قبل أن تضعها أمام الإدارة المصرية، بدءًا من المساعدات اللامحدودة لإسرائيل، مروراً بوضع العراقيل بين حين وآخر أمام المساعدات الأمريكية الهزيلة التى تحصل عليها مصر بموجب اتفاقية السلام، وصولاً إلى دعمها لجماعة الإخوان، وتدخلها لتثبيت وجودها رغم رفض الشعب المصرى لحكم هذه الجماعة، ثم الدعم الكبير لبناء سد يتحكم فى مياه النيل، والتى يعلم الجميع مدى أهميتها للمصريين، والكثير من المواقف التى عانى منها الشعب المصرى طوال السنوات الماضية.

هذه السياسة الغريبة للولايات المتحدة الأمريكية تجعلنا نقف كثيراً أمام مدى عقلانيتها، فمن المؤكد أن دولة بحجم وتاريخ ومكانة مصر من المؤكد أن التحالف معها وكسب ودها وصداقتها هو أكثر فائدة لأمريكا من العداء معها أو تدبير المكائد والعراقيل، صحيح أن خلق مشكلات دائمة فى كل دول العالم تقريباً هو صناعة أمريكية، لكن هاهى الأيام تثبت يوماً بعد يوم كم تخسر أمريكا من هذه السياسات البالية، وأصبحت هناك طرق أخرى كثيرة أقل تكلفة وأكثر فائدة وأقوى فاعلية تحقق نجاحاً أكبر، ولعل هذا ما تقوم به دول كبرى أخرى مثل روسيا والصين بحكم تاريخهما الكبير وخبراتهما القوية.

من هنا فإذا استطاع الرئيس ترامب أن يصدق وينجح فى حل هذه المشكلة، وغيرها أيضاً من مشاكل كثيرة فى العالم، فإن هذا سيضعه فى مكانة أخرى أكبر وأهم من رئاسته للولايات المتحدة الأمريكية.