فن صناعة الأسطورة فن إخواني أصيل.. من البنا إلى قطب إلى الغزالي
من مايو إلى سبتمبر عام 1965 ألقي القبض على سبعمائة متهم، ثبتت الأدلة على 394 شخصًا، من بينهم 162 حُوّلوا للمحاكمة في أول مجموعة تُحال للمحاكمة، بينهم 135 اتهموا بالاتهام الموجود اليوم، وهو نصًا: «إعادة إحياء الجماعة»!
المتهمون، أولهم سيد قطب ثم يوسف هواش وعبدالفتاح إسماعيل وعلي عشماوي وزينب الغزالي.. حصل الثلاثة الأوائل على الإعدام.. ونُفّذ بالفعل بعد ثبوت الاتهامات وتوالي الاعترافات التي يقول عنها شمس بدران، وكان مسؤولًا عن التعامل مع القضية باعتباره رئيسًا للمباحث العسكرية الجنائية، وقد أُسست وقتها لمتابعة نوعين من الجرائم، الإرهاب وأمن الدولة، وثانيهما التلاعب بالأسعار والأسواق!!
يقول «بدران»، في حديث لمجلة الحوادث اللبنانية، عقب الإفراج عنه عام 1974 (حوكم في قضية رجال المشير عبدالحكيم عامر بتهمة محاولة الانقلاب على نظام الحكم عقب قرار إبعاد المشير عن القوات المسلحة عقب حرب 1967)، ردًا على سؤال حول التعذيب في هذه القضية: «إننا كنا في سباق مع الزمن.. خطط واعترافات بتفجير البلد، وأحد أفراد حراسة الرئيس ولا نعرفه.. فإما نعتقلهم ونوقف ذلك أو ننتظر الكارثة، وبالتالي لم يكن التعذيب للتشفي أو الانتقام، إنما لسرعة الحصول على المعلومات»، وأكد «بدران» أنه راضٍ تمامًا عما فعل!
انتهت القضية بالإعدام لسبعة متهمين، منها ما تم تخفيفه مثلما جرى للمتهم الثالث علي عشماوي، ربما لاعترافاته المهمة التي لعبت دورًا كبيرًا في القبض على معظم عناصر التنظيم.. معظمها وليس كلها، حيث بقى المتهم إسماعيل الفيومي -حرس رئيس الجمهورية- هاربًا لفترة طويلة!
ما نتوقف عنده قدرة الإخوان على صناعة الأساطير.. فبينما تدخل بعض الحكام بالفعل للإفراج عن سيد قطب، وقيل إن الملك فيصل أرسل برقية يطلب فيها ذلك، وطلب جمال عبدالناصر من سامي شرف أن يقدمها له بعد تنفيذ الحكم حتى يتهرب من الطلب.. لكن يبقى المثير الأكبر في الموضوع ما أشاعه الإخوان من صمود ورباطة جأش «قطب» أثناء حكم الإعدام.. إذ أشاعوا أن السلطات طلبت منه كتابة طلب عفو لوقف الحكم.. فرفض وقال إن «الإصبع التي تشهد التوحيد لا تركع لحاكم ولا تطلب العفو من غير الله»!
نسي الإخوان في قصتهم الساذجة عدة أمور، أولها أن وقف تنفيذ الأحكام، وخاصة الإعدام، لا يتم بهذه الطريقة البسيطة، وثانيها أن هناك شهودًا على لحظات الإعدام لم يتوقع الإخوان ظهورهم.. أبرزهم اللواء فؤاد علام، الذي كان هو نفسه الضابط المكلّف -كان ربما برتبة النقيب- باصطحاب سيد قطب إلى تنفيذ الحكم، وهنا يروي الرجل ويقول حرفيًا:
«كنت أجلس في السيارة الأولى، بجواري سيد قطب، يده اليمنى مقيدة في يده اليسرى بسلاسل حديدية، وفي الثانية محمد يوسف هواش، نائب سيد قطب، وفي الثالثة عبدالفتاح إسماعيل، المسؤول عن الاتصالات الخارجية بجماعة الإخوان المسلمين، والثلاثة محكوم عليهم بالإعدام.. تفحصت وجهه جيدًا وأنا أتسلمه من السجن الحربي، كان يرتدي بدلة داكنة اللون تحتها قميص أبيض، ولم يكن قد ارتدى بعد بدلة الإعدام الحمراء، لم يكن مجهدًا أو مرهقًا أو تبدو عليه أية آثار للتعذيب، كما يزعمون.. ولم يكن يلبس طربوشه التقليدي، وقطع سيد قطب لحظات الصمت القصيرة الرهيبة بقوله: «للأسف الشديد، لم ينجحوا في تنفيذ عملية نسف القناطر الخيرية، وكانت هذه هي النهاية».. لم أشعر -يضيف اللواء علام في كتابه «الإخوان وأنا»- في كلماته بنبرة ندم أو أسى، وإنما بتشفٍّ وحسرة أن القناطر لم تُدمّر، وساد التوتر محل الصمت، وبدا سيد قطب ينتقل من موضوع لموضوع دون ترتيب أو تركيز، كرر أكثر من مرة أن مشكلته في عقله، لأنه مفكر وكاتب إسلامي كبير، وأن الحكومة لا تملك إلا أن تقضي على العقل الإسلامي الكبير حتى تنفرد بأعمالها ضد الإسلام، حسب تصوره..»!
يؤكد «علام» أن «قطب» تمتم بكلمات غير مفهومة، وطلب منه تلاوة الشهادتين، لكنه لم يسمعها منه.. ونُفذ الحكم!
هذه شهادة شاهد.. وليست رواية الإخوان ممن لم يروا ولم يحضروا ولم يشهدوا.. إنما نقلوا نص ما قاله عمر المختار أثناء إعدامه من الإيطاليين.. ونسبوها لـ«قطب»! فن صناعة الأسطورة فن إخواني أصيل.. من البنا إلى قطب إلى الغزالي، إلى كل إخواني خدم هذه الجماعة.. ولو على حساب الدين والوطن والناس!
وللقصة بقية.