وعلمتنا الجدات وعجائز العائلات العريقة أن العين تفلق الحجر لنصفين، وأن الحسد ذُكر فى القرآن ولذا يجب أن نخفى المولود عن الغرباء ونحصنه بآيات من القرآن الكريم ونضع الخرزة الزرقاء فى قلادة للأم الصغيرة وان لا ينقطع القرآن عن منازلنا.
وكان لكل غرفة باب يغلق على أصحابها وللزائرين مكان مخصص حتى لا ينكشف ستر البيت وأهله.
ومن الكلمات التى ما زالت تتردد فى القرى والمدن الصغيرة (يا ساتر) يقولها الزائر بصوت مرتفع عند دخوله البيت كأنه يطلق إنذاراً لنساء المنزل ليستُرْن أنفسهن حتى لا يجرح مشاعرهن، أما الطعام فهناك قواعد وأصول لتناوله وإعداده ويجب أن لا نظهر أمام الغير أثناء تناوله فذلك مكروه وليس من اللائق التقاط الصور للمائدة أو مكان إعداد الطعام.
أما العروس فى حفلات الخطبة والزفاف فقد كانت حُمرة الخجل تزيدها جمالاً ورقة، ومن أجمل فساتين الزفاف كانت تلك التى تكسوها تماماً ولا تُظهر شيئاً من مفاتنها، ويكفى أن نستعرض صور الزفاف الملكية لنعرف معنى تلك الكلمات ونشعر بفخامة الستر وروعته.
وتتغير العادات والتقاليد بمرور الأيام والشهور، وقديماً كنا نعتقد أن تغير سلوك البشر أمر مستحيل وأن الثقافات لا تختلف مهما مرت السنوات، إلا أننا نعيش الآن فى فوضى نشرتها فى المجتمع وسائل التواصل الاجتماعى الحديثة وجنون الشهرة وجمع المال بسهولة حتى لو كان على حساب التنازل عن الخصوصية وذبح وتدمير حُمرة الخجل وكشف المستور للعالم.
ومن الغريب والمحزن أن التحول والتغيير وفضح كل شىء وصل إلى الجرائم والانحرافات، فالقاتل يسجل جريمته كاملة ويبيعها لتنتشر بين المجتمع ولا يخشى العقاب وحتى بائعات المتعة الحرام يعلن عن أنفسهن بالصور الفاضحة والرقصات الخليعة ويمارسن الفجور علناً على تلك الوسائل اللعينة التى دمرت كل شىء وسهلت الرذيلة وكل ما نهت عنه الأديان السماوية والعادات والتقاليد.
يقول علماء النفس والاجتماع إن الخجل شعور مكتسب غير مولود مع الإنسان، وإنه يزيد أو يقل حسب طبيعة شخصية الإنسان أو تربيته، ويفسرون احمرار الوجه نتيجة الخجل بأنه ينتج عن تغييرات فى الجسم، فعند الشعور بالخجل يقوم الجسم بإفراز هرمون الأدرينالين المعروف باسم هرمون الكر والفر.
وهذا الهرمون يسرّع وتيرة التنفس ومعدل ضربات القلب ثم يتسبب فى توسع بؤبؤ العين وتوسع الأوعية الدموية ومن ضمنها الشعيرات الدموية الموجودة فى بشرة الوجه لزيادة تدفق الدم فيها وتحسين وصول الأكسجين إلى الدماغ وأنحاء الجسم الأخرى، وهذه الزيادة فى التدفق هى الإجابة العلمية لسؤال: لماذا يحمر الوجه عندما نخجل. فهل تعانى الإنسانية من نقص فى هرمون الأدرينالين أم أن التغييرات الاجتماعية أصابت حُمرة الخجل فى مقتل وكشفت المستور؟