23 يوليو.. ثورة عالمية
بعدما استقرت ثورة 23 يوليو 1952 في الداخل المصري، وشرعت في تنفيذ برامجها الاقتصادية والاجتماعية، اتجهت أنظار قادتها إلى المحيط العربي والإفريقي والدولي، مدركة أن الاستقلال الوطني لا يمكن أن يكتمل إلا بتحرر الدوائر المتصلة بمصر.
كانت الثورة منذ بداياتها تحمل بعدًا أمميًا، جعل منها قبلة لحركات التحرر الوطني في العالم الثالث.
لم يكن ذلك من قبيل الشعارات، بل من خلال الدعم الفعلي المادي والمعنوي والسياسي الذي قدمته مصر عبد الناصر لتلك الحركات.
كانت الجزائر من أوائل البلدان التي استفادت من هذا التوجه، حيث تحوّلت القاهرة إلى مقرّ لقيادة جبهة التحرير الوطني الجزائرية، ومنها انطلقت بياناتها، ووُجّهت شحنات السلاح عبر الحدود الليبية، كما وفرت مصر المنابر الإعلامية لتدويل قضيتها.
وصلت العلاقات بين مصر والثوار الجزائريين إلى حد إعلان عبد الناصر في أحد خطاباته أن "ثورة الجزائر هي ثورتنا، ولن نتراجع عن دعمها حتى يتحقق لها النصر".
وفي اليمن، دعمت الثورة المصرية الضباط الأحرار الذين أطاحوا بالنظام الإمامي الرجعي في 1962، فساندتهم مصر عسكريًا عبر إرسال عشرات الآلاف من الجنود المصريين، وسعت لبناء دولة حديثة هناك، رغم التعقيدات القبلية والتدخلات الإقليمية المعاكسة.
ورغم أن مساندة النظام الجديد في اليمن كلف مصر أثمانًا باهظة، فإن عبد الناصر كان يرى في دعم اليمن واجبًا استراتيجيًا، لحماية ثورات التحرر، وإفشال المشاريع الاستعمارية في خاصرة الجزيرة العربية.
أما في القارة الإفريقية، فكان لمصر دور رائد في دعم الحركات الاستقلالية في الكونغو، وتنزانيا، وغانا، وأنغولا، وزامبيا، وزيمبابوي وغيرها.
فتح عبد الناصر أبواب القاهرة للقيادات الإفريقية الشابة، واحتضنت مصر مكاتب لحركات المقاومة المسلحة، كما أسست معهد الدراسات الإفريقية لدعم الكوادر الإفريقية ثقافيًا وتعليميًا.
وسعت مصر لتدويل القضية الإفريقية في الأمم المتحدة والمحافل الدولية، وشاركت بدور جوهري في دعم جهود التحرر من الاستعمار البلجيكي والفرنسي والبريطاني في أفريقيا.
وأسست في العواصم الأفريقية فروعا لشركة النصر للتصدير والاستيراد التي كانت بمثابة حلقات اتصال بين القاهرة والعواصم في القارة السوداء وقامت بدور مؤثر في تعميق التعاون بين مصر وتلك البلدان ودعم حركاتها التحررية هناك.
وضمن سعيها الحثيث لبلورة هوية قارية مستقلة، ساهمت مصر بقيادة جمال عبد الناصر بدور محوري في تأسيس منظمة الوحدة الإفريقية عام 1963، التي كانت بمثابة الحلم الكبير لشعوب القارة السمراء الساعية للانعتاق من الاستعمار وتحقيق التكامل القاري.
كانت القاهرة في مقدمة الداعين لعقد القمة التأسيسية في أديس أبابا، والتي جمعت بين تيارين رئيسيين: تيار "الوحدة السياسية" بقيادة غانا، وتيار "التعاون التدريجي" الذي تمثّلت فيه مصر بواقعية سياسية متميزة.
وكان عبد الناصر يرى أن وحدة إفريقيا لا ينبغي أن تُفرض بالقوة أو الشعارات، بل تُبنى بالتدرج والتكامل، والاحترام المتبادل بين الدول.
ومن خلال دعم مصر للحركات الوطنية الإفريقية، وتوفير التدريب والتعليم والدعم الإعلامي والسياسي، أصبحت القاهرة مركز إشعاع قاري، وعضوا مؤسسًا وفاعلًا في المنظمة التي تطورت لاحقًا لتصبح الاتحاد الإفريقي.
وقد لعبت المنظمة دورًا مهمًا في فض النزاعات، ودعم قضايا التحرر، ورفض سياسة الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، وهي مواقف كانت مصر في مقدمة الداعمين لها دومًا.
أما في المجال الإسلامي، فقد حرصت مصر الثورة على تأكيد دورها في قيادة العالم الإسلامي، سياسيًا وثقافيًا وروحيًا.
وسعت مصر بالتنسيق مع المغرب والسعودية وباكستان إلى عقد أول مؤتمر قمة إسلامي، ما أدى إلى تأسيس منظمة المؤتمر الإسلامي (التي أصبحت لاحقًا "منظمة التعاون الإسلامي")، والتي رأت النور رسميًا في عام 1970.
وقد دعمت مصر تأسيس هذه المنظمة انطلاقًا من قناعتها بأهمية التعاون بين الدول الإسلامية في مواجهة تحديات الاحتلال الإسرائيلي، ومحاولات تهويد القدس، فضلًا عن دعم قضايا التنمية والتكافل بين الشعوب الإسلامية.
وشكلت مصر بذلك جسرًا جامعًا بين إفريقيا والعالم العربي والعالم الإسلامي، ورافعة للقضايا المصيرية التي تجمع شعوب الجنوب، خاصة قضية فلسطين التي ظلت في صدارة أولويات السياسة الخارجية المصرية.
من خلال هاتين المنظمتين، رسّخت ثورة يوليو أقدام مصر في محيطها الإفريقي والإسلامي، مؤكدة أنها لا تنعزل خلف حدودها، بل تندمج في معارك التحرر والتكامل، ساعية إلى عالم أكثر عدالة وتوازنًا، تتقدم فيه شعوب الجنوب على طريق السيادة والتنمية.
على الصعيد العالمي، جاءت مشاركة مصر في مؤتمر باندونج سنة 1955 نقطة تحول كبرى، حيث التقى عبد الناصر مع الزعيم الهندي جواهر لال نهرو، والزعيم اليوغوسلافي جوزيف تيتو، والرئيس الإندونيسي أحمد سوكارنو، وعدد من قادة دول العالم الثالث، ليؤسسوا معًا نواة حركة "عدم الانحياز".
لم تكن هذه الحركة مجرد موقف حيادي سلبي من الحرب الباردة، بل كانت رؤية إيجابية لبناء تكتل دولي مستقل عن الهيمنة السوفييتية أو الأمريكية، يهدف إلى تحقيق مصالح الدول النامية، ومواجهة التبعية الاقتصادية، والدعوة إلى عالم أكثر عدالة.
من خلال عدم الانحياز ، تعاظم الدور المصري دوليًا، وأصبحت القاهرة محورًا لحوار الجنوب-الجنوب، وقاعدة انطلاق للمبادرات الدولية المستقلة.
ساهمت مصر في تعميق الوعي بضرورة استقلال القرار الوطني، وإصلاح النظام الدولي، ورفض سياسة الأحلاف العسكرية مثل "حلف بغداد" التي رأت فيها مصر أدوات استعمارية جديدة بثوب حديث.
نتيجة لهذه الجهود، تحولت مصر إلى قوة إقليمية ذات هيبة، يحسب لها القاصي والداني، ويحسب حسابها في التوازنات الدولية، كما كسبت احترام شعوب العالم الثالث التي رأت في عبد الناصر رمزًا للتحرر والصمود.
كانت مصر آنذاك تلعب دورًا يستند إلى مشروع تحرري أصيل.