رائعة فنية تعيد الجمهور إلى المسرح القومي.. عودة الملك لير

كتب: إلهام الكردوسي

رائعة فنية تعيد الجمهور إلى المسرح القومي.. عودة الملك لير

رائعة فنية تعيد الجمهور إلى المسرح القومي.. عودة الملك لير

فى العرض الجديد من رائعة وليم شكسبير «الملك لير»، بطولة النجم يحيى الفخرانى، والمقدم حالياً على المسرح القومى، ينطلق المخرج شادى سرور من رؤية فنية جديدة تمزج بذكاء بين الكلاسيكية والحداثة دون أدنى إحساس بالتناقض، فالنص والحوار الأساسيان كلاسيكيان، يحتفظان بشعرية وعمق شكسبير الأصلى، محافظين على روحه القديمة، بينما يحمل الإخراج لمسات حداثية بارزة فى عناصر العرض من ديكور وموسيقى وإضاءة مبهرة وجرافيكس عصرى، بما يجذب جمهور اليوم، خاصة الشباب. كذلك أضفى تصميم الملابس والحركة المسرحية والمؤثرات طابعاً غير تقليدى، ليصبح العرض معاصراً ومثيراً بعيداً عن الرتابة.

المخرج شادى سرور: يحيى الفخرانى ضرب مثالاً فى الالتزام والتواضع خلال البروفات

وعبّر «شادى» عن سعادته بتقديم هذا العرض، واعتبره «علامة فارقة» فى مشواره الفنى، خصوصاً بمشاركة الفنان يحيى الفخرانى. ووصف النص الأصلى من «الملك لير» بأنه يعتبر واحدة من أروع وأقوى التراجيديات فى تاريخ الأدب العالمى، نظراً لما يتناوله من صراعات النفس البشرية، وموضوعات الخيانة، والطمع، والسلطة، والحب الحقيقى، وخطورة الغرور والتسرع فى اتخاذ القرارات، ما يؤدى إلى فقدان كل شىء: العائلة، والسلطة، وحتى العقل، فهى تجسد صورة مصغرة للإنسانية ومعاناة البشر، والمصير التراجيدى للإنسان.

وكان الفنان يحيى الفخرانى قد سبق أن قدم «الملك لير» فى مطلع الألفية الثانية على المسرح القومى، بإخراج الدكتور أحمد عبدالحليم، ما وضع المخرج شادى سرور أمام تحدٍّ كبير فى تقديم رؤية جديدة بعد قرابة ربع قرن من النسخة السابقة، فاختار أن يستلهم روحاً عصرية تواكب المسرح وذائقة الجمهور.

تدور الحبكة الرئيسية حول الملك المسن «لير» الذى قرر أن يقسم مملكته بين بناته الثلاث، شريطة أن يفصحن عن مقدار حبهن له (معتقداً فى نفسه الحكمة)، فتسارع الابنتان الأكبر جونريل والوسطى ريجان إلى تقديم عبارات التملق التى ترضى غرور الأب صاحب السلطة. بينما ترفض كورديليا، الابنة الصغرى المفضلة لديه، الانخراط فى هذ التمثيل العاطفى وتكتفى بقول: «لا شىء يا سيدى»! ما يشعل شرارة المأساة التى تتكشف تباعاً.

تنطلق رؤية شادى سرور فى العرض من تحقيق التوازن بين تقديم النص العالمى بصرياً بما يلامس الجمهور المصرى وهمومه اليومية، مع الحفاظ على هوية المكان وطبيعة المُشاهد المحلى. وقد تحمس يحيى الفخرانى للفكرة، فتم اعتماد النص الأصلى لشكسبير، مع التركيز على إيصال القصة من خلال الصورة لا بالكلمات فقط. أراد «سرور» أن يكون العرض «مغايراً وجديداً»، ويربط القضايا الإنسانية بالمجتمع من خلال التركيز على العلاقات بين الشخصيات، والحالة البصرية المشحونة بالدراما.

برزت المأساة بوضوح فى كل تفاصيل العرض من طرد «لير» لبناته وفقدان «جلوستر» لبصره، إلى موت الشخصيات الرئيسية، وركز المخرج على إبراز لحظات الألم والضياع بشكل بالغ التأثير. صُمّمت الموسيقى والإضاءة والجرافيكس لتغمر الجمهور بهذا الحزن التراجيدى، وتجعله يتفاعل بعمق مع كل لحظة.

أشاد شادى سرور فى حديثه لـ«الوطن» بالفنان يحيى الفخرانى كقدوة فى الالتزام والتواضع، مشيراً إلى أنه كان يتعامل مع المسرح بشغف وطاقة كبيرة، لدرجة تخلّيه عن العصا التى يستخدمها عادة. وقد جسّد الفخرانى شخصية الملك لير بنقل دقيق لمشاعر السلطة، الخذلان، والندم: «الدكتور يحيى يمتلك إرادة وطموحاً كبيرين، وكان يطلب منى أن أُحرّكه على خشبة المسرح، فالمسرح يمنحه طاقة هائلة»، وأضاف: «كان شديد التفاعل ومستمتعاً جداً بهذه النسخة من العرض»، ولهذا ظهر فى العمل متخلياً عن العصا التى اعتدنا رؤيته يتوكأ عليها فى حياته اليومية.

أما أداؤه لشخصية الملك لير، فقد تميز بقدرته على نقل الأفكار والمشاعر الدقيقة التى يتضمنها نص شكسبير فى مراحله المختلفة: من شعور الملك بالقوة والسلطة قبل تقسيم ممتلكاته، إلى إحساسه بالخذلان بعد تجرده من الحكم والمكانة، ثم معايشته للألم العميق حين وجد نفسه فى العراء، وصولاً إلى سخرية مُرَّة من نفسه وانتباهه للخطأ الجسيم الذى ارتكبه بتقسيم ممتلكاته مبكراً، وهو ما أدى إلى تحول مصيره بالكامل.

وقدم الفنان طارق دسوقى دور جلوستر (الأب المخدوع فى ابنه) ببراعة، مجسداً الصراع الإنسانى الداخلى، ولاقى تصفيقاً حاراً على أدائه القوى والمؤثر. أما شخصية المهرج التى جسدها الفنان عادل خلف، فلها رمزية عالية فهو ينطق بالحكمة (وإن كانت لا تخلو من القسوة)، وتأثير المهرج على الملك لير عميق جداً، فهو ليس مجرد شخصية فكاهية، بل يمثل صوت الحكمة الشعبية البسيطة والضمير فى حياة الملك. المهرج فى المسرحية غالباً ما يقول الحقيقة التى يخشى الجميع قولها، وينتقد الملك بلا خوف، فيكشف لـ«لير» أخطاءه ويواجهه بواقعه، ويستخدم السخرية والهزل ليخفف من قسوة الواقع ويوقظه من غفلته. مع تطور الأحداث، يحدث تبادل أدوار بينهما: يصبح لير أكثر تهوراً وسذاجة، بينما يظهر المهرج حكيماً وواعياً، حتى إن بعض النقاد يرون أن المهرج هو «عقل» لير أو صوته الداخلى. غياب المهرج عن المسرحية غالباً ما يواكب انهيار «لير»، حيث كان مصدر التوازن والصدق فى حياته.

تعمد «سرور» أن يرى الجمهور مصير الشخصيات على المسرح، مثل موت المهرج، ليتيح للملك أن يتحوّل بدوره إلى «مهرج»، يدمج بين الحكمة والسخرية، فى انعكاس رمزى عميق.

أما باقى العناصر، فالديكور من تصميم حمدى عطية، كان عنصراً أساسياً ومميزاً جداً، واعتُبر من أضخم التصميمات فى تاريخ المسرح القومى، حيث تم المزج بين الشاشات والجرافيك والديكور الخشبى، لتساعد المشاهد على فهم المكان (قصر، سجن، عاصفة) بسرعة ووضوح، مع تغييرات سريعة تناسب كثرة المشاهد وتنوعها. وفى هذا العنصر يتفوق العرض الجديد على العرض السابق من الملك لير الذى لم يركز على عنصر الديكور (فقد قدم العرض السابق خلفيات مجردة تكاد تخلو من أية تفاصيل تشير للمكان)، لنقل أجواء المكان.

من قطع الديكور الثابتة التى تحمل وظيفة، تأتى المرآة فى قصر ابنة لير الكبرى، (الأنانية) التى تطرد والدها (لير) من قصرها، بعد أن تنازل لها عن نصف ممتلكاته، ولم ترأف بشيخوخته، فحرضت شقيقتها الوسطى على طرد الأب أيضاً، المرآة فى العرض تؤكد أنانية هذه الشخصية التى لا ترى إلا نفسها.

ويتضمن العرض 21 مشهداً بإجمالى 10 تصميمات ديكور متنوعة للأمكنة متفاوتة الثراء والفقر والأبهة، ليكمل الرؤية البصرية التى قصدها المخرج، ويعكس أجواء كل مشهد بدقة، مع الاعتماد على إيجاد علاقات تربط بين الإضاءة والجرافيك كجزء من المشهد وليس فقط خلفية. هذا الأسلوب أعطى العرض طابعاً سينمائياً، وجعل الجمهور يعيش أجواء القصة بشكل أقوى.

الموسيقى من تأليف أحمد الناصر، وتم تصميمها لتكون جزءاً أساسياً من الحالة الدرامية للمسرحية، وليست مجرد خلفية، كل شخصية لها تيمة معينة وكل مشهد كان له تيمة موسيقية خاصة، (أكثر من ثلاثين تيمة) والموسيقى تتغير بدقة مع الأحداث، وتُقطع وتوزع مثل السينما، بحيث تواكب الجرافيكس والإضاءة وتخدم المشاعر والصراعات على المسرح. هذا الدمج بين الموسيقى والصورة أعطى العرض طابعاً سينمائياً جذب الجمهور بقوة، وجعل التفاعل مع الأحداث أكثر عمقاً وتأثيراً.

وبحسب شادى سرور، تم تدريب الممثلين على التناغم الحركى مع الإيقاع الموسيقى، ما عزز الإيقاع العام وعمّق الأثر الدرامى. واعتمدت الإضاءة التى صممها محمود الحسينى (كاجو) على إنارة تقليدية على الشخصيات، وإضاءة (وظيفية) بهدف درامى، لتعكس الحالة النفسية والوجدانية فى بعض اللحظات، وتم استخدام الإضاءة الديناميكية لتصوير الفوضى والعواصف، وتغيير الألوان حسب الحالة النفسية: الأزرق للحزن، والأحمر للعنف، والإضاءة الخافتة للغموض أو الذهول.

الملابس من تصميم علا على، التى تمكنت من تقديم أزياء تتوافق مع كل حالات «الملك»؛ فى فترة الثراء والأبهة ملابس حريرية لامعة، وفى فترة الفقر ملابس خفيفة بسيطة تعكس حالة التخلى (بعد طرد لير من قصر بناته)، كما يتضح الفرق بين ملابس اللوردات والمحاربين والخدم التى تميز كل طبقة أو فئة عن الأخرى.

تكنيك السينما فى عرض «الملك لير» ظهر بوضوح فى استخدام الكاميرا، والإضاءة، والمؤثرات البصرية لخدمة الدراما وجذب الجمهور، فقد تم المزج بين ديكورات وأزياء حديثة وعناصر كلاسيكية لإعطاء إحساس بأن القصة معاصرة وزمنية فى الوقت نفسه.

تم توظيف تقنيات الجرافيكس على شاشات الخلفية وتوزيعها على أركان خشبة المسرح لعرض مشاهد خلفية متحركة وحيوية تزيد من الإحساس السينمائى بالواقعية خاصة فى مشاهد العاصفة والأجواء الباردة، بعد طرد الملك لير من قصر ابنته الوسطى ريجان، لخدمة الدراما ونقل مشاعر الملك وتعميق تفاعل الجمهور، بشكل واقعى ومؤثر.

وجاء ختام العمل ليحافظ على وحدة وإيقاع العرض والبناء الكلاسيكى المعتمد على البناء التصاعدى للأحداث، من دون مط أو تكثيف مُخل، لتأتى نهاية عرض «الملك لير» مأساوية جداً، حيث يموت لير وهو يحمل جثة ابنته كورديليا، والجمهور فى حالة صمت وتأثر شديدين، فالإضاءة خفتت والموسيقى صارت حزينة جداً، والجرافيكس عرض أجواء كئيبة لتعكس النهاية المؤلمة. لتترك رسالة قوية عن فقدان الحب والسلطة والانتهاء إلى الوحدة كما بدأ الإنسان وحيداً.

العرض المسرحى «الملك لير» يضم نخبة من نجوم المسرح المصرى، منهم: طارق دسوقى، حسن يوسف، أحمد عثمان، تامر الكاشف، أمل عبدالله، إيمان رجائى، لقاء على، بسمة دويدار، طارق شرف، محمد العزايزى، عادل خلف، محمد حسن.

ومن صُناع العمل: إسلام عباس (مكياج)، ضياء شفيق (استعراضات)، أحمد الناصر (موسيقى)، محمود الحسينى «كاجو» (إضاءة)، علا على (ملابس)، حمدى عطية (ديكور).


مواضيع متعلقة