«شغل قلبه قبل إيده».. سباك المنوفية يتحدث لـ«الوطن» بعد تبرعه بأجره لدار أيتام

كتب: نهى نصر

«شغل قلبه قبل إيده».. سباك المنوفية يتحدث لـ«الوطن» بعد تبرعه بأجره لدار أيتام

«شغل قلبه قبل إيده».. سباك المنوفية يتحدث لـ«الوطن» بعد تبرعه بأجره لدار أيتام

في زمن صار فيه العطاء مشروطًا، والعمل تجارة تُقايض بالمال، تخرج من بين زخم الحياة قصصٌ ترد للقلوب دفئها، مثلما فعل الشاب محمود سويلم، حينما اختار التخلي عن أجر تعبه ليهديه إلى قلوبٍ صغيرةٍ لا تعرف معنى الأب ولا حضن الأم، ففي دار أيتام لا يعرفه فيها أحد، ترك محمود بصمةً من الإنسانية قبل أن يترك أثر مفاتيحه في المكان؛ ليؤكد أن الخير لا ينتظر الغنى، بل يكفيه قلبٌ صادقٌ.

سباك المنوفية يتبرع بأجره لدار الأيتام

منذ نعومة أظافره، أدرك محمود سويلم أنّ لقمة العيش لا تأتي بسهولة، فشبَّ على قيمة الكفاح، وأتقن «السباكة» التي أصبحت رفيقة دربه ورزقه الحلال، يحمل عدته متنقلًا من مركزٍ إلى آخر، ومن محافظة إلى أخرى، بحثًا عن عمل يسد به احتياجاته.

ويروي «محمود»، لـ«الوطن»، تفاصيل القصة، إذ خرج في أحد الأيام من بلدته البسيطة في الباجور بمحافظة المنوفية، قاصدًا محافظة الشرقية بعدما تلقَّى اتصالًا من مهندس يعرفه، يطلب منه تركيب أعمال السباكة في مكان لم يعرف طبيعته وقتها، ليقول بلهجته البسيطة: «كنت رايح شغل تبع مهندس كلمني وقال لي أروح أعمل السباكة هناك، وأنا ماكنتش أعرف إن المكان ده دار أيتام»، لتختزل تلك الكلمات مسافة الطريق ومفاجأة الرحلة.

لم يدرِ محمود أنّ رحلته تلك ستقوده إلى مكان استثنائي، وبينما كان يُنهي عمله كالمعتاد، اكتشف من خفير المكان أنّ المبنى دار أيتام تحتضن أطفالًا فقدوا دفء العائلة، ليتغير كل شيء داخله، ولم يتردد لحظة في اتخاذ قراره بالتنازل عن أجره كاملًا، الذي اتفق عليه مع المهندس ويقدَّر بـ6 آلاف جنيه.

واكتفى «محمود» بـ200 جنيه فقط لتغطي مصروفات التنقل، وقال بقلب راضٍ: «لما عرفت إنّها دار أيتام كلمت المهندس وقلت له مش عايز فلوس.. وربنا يقدرني دايمًا على فعل الخير».

الشعور بالسعادة

لم يخطر ببال محمود، صاحب الـ24 عامًا، أن تمتد حكايته البسيطة إلى شاشات الهواتف ومنصّات التواصل الاجتماعي، ولم يتوقع أن يصبح بطلًا في أعين الغرباء، لمجرد موقف اعتبره من صميم إنسانيته. ويقول: «لما نشر المهندس القصة على فيسبوك، طلبت منه حذف المنشور.. لكن ماكنتش متوقع رد الفعل هيكون كده.. كنت مبسوط جدًا من كتر الدعوات».

رغم أن جيبه لا يعرف الوفرة، وقائمة ديونه لا تزال طويلة بعد زواجه حديثًا، لم يتردد محمود سويلم لحظةً في تقديم ما يستطيع، فبعين الرضا ونفس راضية، قال ببساطة ابن البلد: «اللي ربنا يقدرني عليه بصحتي بعمله»، مؤمنًا بأنّ الخير لا يُقاس بما في الجيوب، بل بما في القلوب.