أسطورة «الحيوان الناطق»!
تُقدم إسرائيل على مدى الأشهر الماضية عرضاً كوميدياً سوداوياً، يبدو أنها استوحته من أساطير «الحيوانات الناطقة»، حيث يطلب الذئب من الحمل نزع أسنانه كى لا يؤذيه.
إسرائيل التى تمتلك ترسانة نووية غير مُعلنة، وتستقبل المساعدات العسكرية الأمريكية، بلا سقف، وتشن غارات يومية على أربع دول عربية، تعترض على حق مصر الشرعى فى تعزيز دفاعاتها! السخرية هنا لا تحتاج إلى مبالغة، فالمفارقة حاضرة، عندما نرى المعتدى يخشى أن يدافع الآخر عن نفسه!
هذا ما كشفته مجلة «أيبوك» الإسرائيلية، بإزاحة النقاب عن مناقشات مُغلقة بين تل أبيب وواشنطن، عبّرت خلالها إسرائيل عن «قلقها» من تطوير مصر أنظمة دفاعاتها الجوية، إنه قلق السارق الذى يجد البيت الذى يسعى لسرقته، قد اشترى نظام إنذار ضد السرقة!
ووصفت مجلة «يسرائيل ديفينس» العسكرية، التى تصدر عن الجيش الإسرائيلى، النظام الصينى (HQ-9B) بأنه أصبح كابوساً يطارد الأوساط العسكرية الإسرائيلية، لأنه يغيّر فى موازين القوى.
وفى براءة طفولية، تساءل دانى دانون، سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة: «لماذا يحتاجون (مصر) إلى كل هذا؟»، ولم يجد من يُجبه ببساطة: ربما لأن جارتهم (إسرائيل) تمتلك 90 رأساً نووياً، بخلاف ترسانتها من الأسلحة التقليدية.
هكذا يدعى الدبلوماسى الصهيونى السذاجة، وكأن مصر، التى تقع فى منطقة مضطربة وتحيط بها التحديات من كل جانب، يجب أن تكتفى ببعض الزوارق المطاطية والدراجات الهوائية للدفاع عن نفسها.
يقولون فى إسرائيل إن «الليزر المصرى» يحرق أعصاب تل أبيب، بعد أن أشارت تقارير الصحافة العبرية، إلى رحلة الطائرة الصينية (SUBTX) بين مصر والصين عبر باكستان.
الهوس الإسرائيلى عبّر عنه موقع «ناتسيف نت» الإخبارى الإسرائيلى بأسئلته الوجودية: هل يتم حالياً وضع أنظمة الدفاع الجوى الصينية المتطورة، بما فى ذلك مدافع الليزر بقواعد الجيش المصرى؟ وهل أصبحت قيد الاستخدام التشغيلى فى الجيش المصرى؟، وهل أصبحت مصر تمتلك «ليزر آرو 21»؟، وكيف سنتعامل مع «أشعة الموت المصرية»؟.
هذا التحول، الذى وصفه الموقع العبرى بأنه «نوعى ذو أبعاد سياسية وفنية بعيدة المدى»، يثير القلق فى إسرائيل، التى اعتادت أن تكون هى الوحيدة التى تمتلك التكنولوجيا المتطورة فى المنطقة.
وجاءت المناورات الجوية المصرية الصينية «نسور الحضارة 2025» لتزيد الطين الإسرائيلى بلة، فكيف تجرؤ مصر على إجراء مناورات عسكرية مع دولة أخرى، وتستخدم طائرات حديثة، بل وتحلّق فوق الأهرامات، أحد أهم آثارها التاريخية؟
الموقع العبرى لم يرَ فى هذه المناورات مجرد تدريب عسكرى روتينى، بل اعتبرها مؤشرات على تحول نوعى فى العلاقات بين «القاهرة» و«بكين» نحو شراكة استراتيجية أوسع، تشمل الإنتاج المشترك ونقل التكنولوجيا.
الصحافة الإسرائيلية تُصدّر للرأى العام هناك، أن مصر والصين تتآمران سراً لتغيير موازين القوى فى المنطقة، وتهديد الأمن الإسرائيلى، وتقاريرها تؤكد أن أى تعاون عسكرى مصرى مع أى دولة غير الولايات المتحدة يُعتبر تهديداً وجودياً لإسرائيل.
يا له من تحول فى عقيدة الدفاع المصرية، الذى يتّجه نحو تنويع مصادر تسليحها وفتحها أمام التقنيات المستقبلية.
أيضاً فى مارس الماضى، تحول الكنيست الإسرائيلى إلى مسرح للكوميديا السوداء، عندما عقد مؤتمراً، تحت عنوان «الحدود الإسرائيلية المصرية.. واقع أمنى متغير»، وناقش أعضاؤه ما وصفوه بـ«الحشد العسكرى المصرى فى سيناء»، الذى «يتجاوز اتفاقية السلام، وحذّروا من الاعتماد المفرط على اتفاقية السلام مع مصر».
قمة الهزل هنا أن إسرائيل التى تحتل أراضى عربية منذ 1967، يناقش برلمانها، نشر مصر لقواتها فى أراضيها!، وأظنهم يأملون أن تظل سيناء منزوعة السلاح، لتسهل السيطرة عليها دون أى مقاومة.
لم يكتفِ السياسيون الإسرائيليون بإثارة القلق، بل انضم إليهم العسكريون أيضاً، ويرى رئيس الأركان الإسرائيلى السابق، هرتسى هاليفى، أن التهديد الأمنى المصرى قد يتغير فى أى لحظة.
وكشف «هاليفى» أمام خريجى دورة ضباط فى مدينة «حولون»، فى فبراير الماضى، عن قلقه مما سماه «التهديد الأمنى من مصر»، معتبراً أنه قد لا يُشكل تهديداً حالياً، لكن الأمر قد يتغير فى لحظة، خاصة أن الجيش المصرى يملك كمية كبيرة من الدبابات المتطورة والقوات البرية.
هكذا رفع رئيس الأركان الإسرائيلى السابق، تصنيف مصر -التى تحافظ على علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل- من درجة «عدو» إلى «عدو لدود».
ويبدو أن «هاليفى» لا يرى سوى أن تظل إسرائيل هى القوة العسكرية الوحيدة فى الشرق الأوسط، وأن تظل جميع الدول المحيطة بها ضعيفة، وعاجزة عن الدفاع عن نفسها.
هذا القلق، الذى يتراوح بين الهستيريا والبارانويا، يكشف عن عقلية لا تستطيع أن تتخيل وجود قوة أخرى فى المنطقة غيرها.
القضية ليست عن أسلحة أو صواريخ، بل عن منطق استعمارى قديم يرفض حقاً للضحية فى الدفاع عن نفسها، وإسرائيل التى تحتل وتقتل وتجتاح تريد من جيرانها أن يبقوا عراة أمام ترسانتها أمريكية الصنع والتمويل.
عندما يعترض المعتدى على دفاعك عن نفسك، فهذا يعنى أنك على الطريق الصحيح، وكما تقول الحكمة: عندما يستيقظ الأسد، يبدأ الصياد الجبان الحديث عن السلام.