أشرف غريب يكتب: بين أم كلثوم وعبدالناصر
لم ترتبط ثورة الثالث والعشرين من يوليو بفنان قدر ارتباطها بكوكب الشرق أم كلثوم، وأعنى بالتحديد شخص الرئيس جمال عبدالناصر، صحيح أن عبدالحليم كان صوتاً للثورة ومؤرخاً غنائياً لها، وصحيح أن عبدالناصر كان محباً لفريد الأطرش وداعماً له، وصحيح أيضاً أن ثلاثتهم ومعهم الموسيقار محمد عبدالوهاب كانوا قريبين من مؤسسة الرئاسة طوال حكم عبدالناصر، لكن أم كلثوم كانت شيئاً آخر بالنسبة للرئيس، حتى من قبل قيام ثورة يوليو 1952، فقد لبت كوكب الشرق رغبة الضباط المصريين المحاصرين فى الفالوجة بفلسطين فى أثناء حرب 1948، ومن بينهم الرئيس عبدالناصر.
وغنت لهم فى أولى حفلاتها فى ذلك الوقت أغنية «غلبت أصالح فى روحى»، فكانت بداية التعارف بين سيدة الغناء العربى والضباط الأحرار، الذين قادوا الثورة بعد ذلك، ومع هذا فقد انتشرت رواية فى أعقاب ما حدث فجر الثالث والعشرين من يوليو، مفادها أن الضابط عبدالمنعم السباعى (المؤلف فيما بعد) أركان حرب الإذاعة المصرية (المشرف عليها) قد أمر بمنع تقديم أغنيات أم كلثوم عبر الإذاعة باعتبارها من العهد البائد، وقيل إن هذا الموقف كان على خلفية أن سيدة الغناء العربى قد رفضت أن تغنى له إحدى أغنياته قبل قيام الثورة، وأن أم كلثوم قد لاحظت ذلك المنع، واشتكت إلى صديقها مصطفى أمين الذى نقل شكواها إلى عبدالناصر، فما كان منه إلا أن قام بتعنيف السباعى، وقال له اذهب واهدم الهرم باعتباره هو أيضاً من العهد البائد.
والمدهش أن هذه الرواية قد انتشرت انتشاراً عظيماً، وغصت بها كثير من الكتب والمقالات التى تناولت حياة أم كلثوم، وحتى الكاتب الكبير محفوظ عبدالرحمن أتى على ذكرها ضمن أحداث مسلسله الشهير عن كوكب الشرق نهاية عام 1999 وبداية عام 2000، وأصارحكم القول بأنه موقف درامى مثير، به كل المشهيات التى تعجب المهتمين بالأمر، ويعلى فى الوقت ذاته من قيمة عبدالناصر الذى انتصر للست بحسب الرواية، ومن مكانة أم كلثوم فى نفسه ومن تقديره لها، لكن واقع الأمر فإن شيئاً من هذا لم يحدث، فلا الإذاعة المصرية منعت أغنيات أم كلثوم، ولا قام عبدالناصر بتعنيف عبدالمنعم السباعى، الذى كتب لكوكب الشرق بعد ذلك واحدة من أشهر أغنياتها، وهى أغنية «أروح لمين»، لحن رياض السنباطى، وليس هناك أى ظل من الحقيقة فى واقعة الهرم والعهد البائد التى أتحفنا بها مؤرخو حياة أم كلثوم.
وقد سألت الإذاعى القدير فهمى عمر، أطال الله فى عمره، الذى كان مذيع الاستوديو وقت إذاعة بيان قيام الثورة، فنفى لى تماماً أى منع لأغنيات أم كلثوم، وأكد أن الأمور كانت تسير بطريقة اعتيادية، كما أننى بالعودة إلى خريطة برامج الإذاعة المصرية فى تلك الفترة لم أجد ما يدل على هذا، بل وجدت العكس تماماً، ووجدت أيضاً أن فطنة أم كلثوم قد دفعتها للذهاب بعد أسبوع واحد من قيام ثورة الثالث والعشرين من يوليو إلى مبنى الإذاعة بشارع الشريفين والتخلص من الأشرطة التى تحمل أغنياتها الكثيرة للملك فاروق، فى جريمة حقيقية ضد التراث الفنى والتاريخ الغنائى فى مصر مهما كانت دوافعها، وقد نشرت مجلة الكواكب بتاريخ الخامس من أغسطس 1952 صوراً لها وهى تقوم بإعدام هذه الأشرطة.
لقد أدركت أم كلثوم مبكراً ربما بحسها الوطنى قبل ذكائها الفطرى أن انحيازها لثورة يوليو فى شخص زعيمها جمال عبدالناصر هو أكبر ضمانة لاستقرار دولتها الغنائية، فبقى ناصر الغطاء السياسى لها حتى وفاته فى عام 1970 قبل خمس سنوات من رحيلها فى عام 1975، وانتصر لها فى كل معاركها مع خصومها فى الوسط الفنى، وهو الذى على يديه ظهر للنور لقاء السحاب، الذى جمع بينها وبين ألحان الموسيقار محمد عبدالوهاب، فى رائعة «انت عمرى» سنة 1964، فيما بقيت هى واحدة من جنود الدولة المصرية المخلصين فى كل معاركها النضالية، ولا سيما بعد هزيمة يونيو 1967، وضربت مثلاً رائعاً فى العطاء لمصر، حينما سخّرت فنها لصالح المجهود الحربى وإعادة بناء الجيش المصرى، وعندما توفى الرئيس عبدالناصر فى الثامن والعشرين من سبتمبر 1970 كانت هى فى العاصمة السوفييتية موسكو فى إحدى رحلاتها لصالح المجهود الحربى، فقررت العودة فوراً إلى مصر دون أن تغنى، وأغلقت عليها غرفة بيتها فى حالة حزن بليغ، واحتاجت لكثير من الوقت والجهد كى تخرج من تلك الحالة، وحين خرجت منها أمسكت بقلمها لتكتب مقالها الشهير فى رثاء الزعيم، الذى نشرته مجلة الهلال فى عددها الصادر فى الأول من نوفمبر 1970، وكى تذهب إلى ستوديو الإذاعة لتشدو بقصيدة الشاعر نزار قبانى «عندى خطاب عاجل إليك»، التى تراجعت عن إذاعتها بعد الانتهاء من تسجيلها احتراماً لتولى الرئيس السادات حكم مصر فى تلك الفترة.