سعيد حجازي يكتب: الإفتاء والذكاء الاصطناعي .. خطوة نحو الاستنارة
مثلت مؤسساتنا الدينية في مصر، عبر تاريخها العريق، قوة روحية ومعنوية عالمية، ورقمًا قويًا في معادلة القوة الناعمة القادرة على تشكيل الوعى الجمعي والتأثير على تفضيلات الآخرين، بما تحمله من طروحات مستنيرة تدعم الحوار والتفاهم الإنساني والتعايش السلمي، معتمدة على موروث ثقافي وحضاري وديني مرموق. كانت ولا تزال مؤسساتنا الدينية وفي القلب منها دار الإفتاء المصرية تلعب دورًا كبيرًا في تشكيل الوعي الديني عبر تقديم رؤية دعوية تتناسب مع العصر، وتعزز الحوار بين الأديان والثقافات، وتواجه التحديات المعاصرة مستفيدة من التطور التكنولوجي في تحقيق منهجيتها.
حملت دار الإفتاء لواء التجديد، على مدار السنوات الماضية، فقدمت عبر ترسانة قوية من علمائها وباحثيها وأمناء فتواها، خطاب دينيًا رزينًا عزّز الفهم الصحيح للشريعة الإسلامية، وساهم في مواجهة فوضى الفتاوى وتصدي للشبهات والافتراءات والمفاهيم الخاطئة، كذلك لم يتوقف دورها المبارك على الداخل بل إمتد إلى ربوع الدنيا، عبر الأمانة العامة لدور وهيئات الفتوى حول العالم، والتي باتت مرجعية كبري للشأن الديني داخل المؤسسات الرسمية الدولية ومنبرًا للخطاب الوسطي المستنير للمسلمين حول العالم، وساهمت في تعزيز الصورة الإيجابية لمصر حول العالم.
أكثر ما يميز هذه الدار المباركة هو الاستجابة السريعة للتحديات المعاصرة التي تواجه المسلمين، وإيمانها الشديد بأن تعزيز الوعي الديني يحتاج لشراكات مع باقي مؤسسات المجتمع خاصة الإعلام والذي يراه مولانا الحبيب أ.د نظير محمد عياد، شريكًا أصيلًا في تشكيل الوعي الديني، وعنصرًا فاعلًا في التصدي للمفاهيم المغلوطة، ومساندًا قويًا في تحصين المجتمعات من دعاوى الفتنة والتطرف.
وفي رحاب مقر الأمانة العامة لدُور وهيئات الإفتاء في العالم بالدراسة، كان لنا الإسبوع الماضي لقاءات مطولة مع مولانا العلامة مفتي الجمهورية، بحثنا خلالها سبل تعزيز هذا التكامل وتوسيع آفاق التعاون بين المؤسسات الإفتائية ووسائل الإعلام، بما يسهم في بناء خطاب ديني متزن يصل إلى الناس بلغة إعلامية رصينة، كان مولانا الحبيب، كعادته ودودًا، ومرحبًا بكافة الأفكار والمقترحات التي تهدف إلى الارتقاء بالأداء الإعلامي في المجال الديني، فهو يؤمن بالتكامل بين الإعلام والمؤسسات الدينية باعتباره ضرورة ملحّة لنشر ثقافة الاعتدال وتعزيز الفهم الصحيح للدين، كون الإعلام بوابة رئيسية لتقديم إطروحات الوعي الديني، في ظل تداعيات التناول غير المنضبط وما يسببه من تشويش على المفاهيم الدينية في الوعي العام.
ما أسعدني هو إهتمام دار الإفتاء بالتطور التكنولوجي السريع لتقنيات الذكاء الاصطناعي الذي يشهده العالم في العصر الحالي، حيث تخرج الأمانة العامة لدور وهيئات الفتوي في العالم بمؤتمر دولي تحتضنه «القاهرة» لبحث سبل تعزيز استخدام الذكاء الاصطناعي في مجال الإفتاء الديني، حيث يأتي هذا المؤتمر احتفاءً بمرور عشر سنوات على تأسيس الأمانة، وتجديدًا لرؤية صناعة الفتوى في ضوء الواقع الرقمي الجديد.
أزعم أن الأمانة بقيادة مولانا العلامة الدكتور نظير محمد عياد وأمينها العام الدكتور إبراهيم نجم، لديها فرصة كبيرة لتقديم طرح جديد يواجه الفتاوى العشوائية والمعلومات المضللة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، بما يعزز من دور المؤسسات الإفتائية كمصدر موثوق في بيئة معلوماتية مشبعة بالذكاء الاصطناعي، ومستقبل الفتوى في عهد الذكاء الاصطناعي.
كلي يقين أن مؤتمر الأمانة الشهر المقبل سيكون بوابة لتقديم فقه جديد للتعامل مع الفضاءات الجديدة، وطرح ضوابط شرعية وأخلاقية للتعامل مع تطبيقات الذكاء الاصطناعي، كذلك وضع آليات لتكوين المفتي الرشيد وتزويده بالوعي الرقمي، وكيفية توطين المعارف الشرعية الصحيحة على الفتوى الرقمية لتجنب مزالق بعض السابقين ممن كان لديهم ضعف الوعي بفقه الواقع.