أمريكا تقود العالم إلى مفترق طرق.. نظام متعدد الأقطاب أو «الفوضى»
أمريكا تقود العالم إلى مفترق طرق.. نظام متعدد الأقطاب أو «الفوضى»
فى عالم اعتاد على وجود الولايات المتحدة كـ«مرساة» للاستقرار الاقتصادى، فإن التقلبات الأخيرة الصادرة من واشنطن لا تمثل مجرد تحوّل فى السياسات، بل زلزالاً يهدد بإعادة تشكيل النظام العالمى من جذوره، قادت الاقتصاد العالمى إلى مرحلة غير مسبوقة من الاضطرابات، وسط تساؤلات وجودية عن مدى قدرة الأسواق على التكيف، وعما إذا كانت أمريكا، دون قصد، بصدد تقويض الهيكل الذى بنته منذ الحرب العالمية الثانية؟، ولم تعد المسألة مجرد أرقام أو توقعات، بل صارت صراعاً بين رؤيتين لمستقبل العالم، إما «نظام عالمى متعدد الأقطاب»، أو «فوضى تقودها الأزمات».
إدارة الرئيس الأمريكى تهدم «الثوابت الاقتصادية» بعد الحرب العالمية
حول التقلبات السياسية والاقتصادية لإدارة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، التى تضع العالم أمام «مفترق طرق»، نشرت مجلة «فورين أفيرز» مقالاً للدكتور محمد العريان، الخبير الاقتصادى المصرى الأمريكى، رئيس كلية «كوينز» بجامعة «كامبريدج»، جاء فيه أنه قبل الانتخابات الأخيرة فى الولايات المتحدة، كان الاقتصاد العالمى يعانى بالفعل من توترات جيوسياسية متصاعدة، وتسارع فى التحولات التكنولوجية، لكن دخول عامل عدم اليقين السياسى الأمريكى على الخط، أدى إلى زيادة القلق وتوسع هوة الترقب، فلم يعد بمقدور صانعى السياسات والمستثمرين الاعتماد على القواعد القديمة، حيث سقطت «الثوابت الاقتصادية» الواحدة تلو الأخرى، وانخفضت مؤشرات الثقة، وارتفعت التوقعات التضخمية إلى مستويات غير مسبوقة منذ ما يزيد على أربعة عقود.
وكتب «العريان»، فى مقاله، أن الولايات المتحدة، التى طالما كانت رمزاً للانضباط المالى والاستقرار، بدأت تتصرف كما لو أنها دولة نامية، حيث فرضت رسوماً جمركية مفاجئة، ومنحت إعفاءات بشكل انتقائى، ورفعت سقف العجز بلا خطة واضحة، ولم يكن الأمر مجرد تحول عابر فى السياسات، بل أشبه بإعادة صياغة لقواعد الاقتصاد العالمى، ولكن هذه المرة من دون مشاورات أو ضوابط مؤسسية، وفى هذا المناخ الضبابى، ظهرت رؤيتان متناقضتان للمستقبل، الأولى تفترض أن هذه الفوضى ستُفضى إلى نظام اقتصادى جديد أكثر كفاءةً وعدالة، مع قطاع خاص أكثر مرونة وتحرراً من القيود، على غرار إصلاحات الرئيس الأمريكى الأسبق، رونالد ريجان، ورئيسة وزراء بريطانيا السابقة، مارجريت تاتشر، أما الرؤية الثانية فتتوقع انحداراً تدريجياً نحو «الركود التضخمى»، وفقدان الثقة بالأسواق والمؤسسات، على نحو يهدد الاقتصاد الأمريكى، بل والعالمى، بركود عميق، واضطرابات مالية قد تستمر لسنوات.
«فورين أفيرز»: «زلزال» سياسى فى واشنطن يعيد تشكيل النظام العالمى
وأكد رئيس كلية «كوينز» أن الأمر لا يتعلق بالولايات المتحدة وحدها، فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت أمريكا القلب النابض للنظام المالى الدولى، تقود الابتكار، وتدير أهم الأسواق، وتصدر العملة الاحتياطية الأولى فى العالم، وأى زعزعة فى هذا الدور تعنى بالضرورة اهتزازاً فى ثقة العالم كله، مشيراً إلى أن هناك تساؤلات متزايدة لدى كثير من الخبراء عن مدى قدرة واشنطن على إعادة تشكيل قواعد التجارة، دون أن تمسّ بتدفقات رأس المال العالمى، وما إذا كان يمكن تجاوز آثار الرسوم الجمركية دون الدخول فى حلقة تضخمية، وأضاف أنه فى ظل التوتر المتصاعد بين الرئيس ترامب، ورئيس الاحتياطى الفيدرالى، جيروم باول، تبدو مسألة استقلالية السياسات النقدية محل شك، الأمر الذى يزيد القلق إزاء مستقبل أكبر اقتصاد فى العالم.
من جهة أخرى، تبدو بقية دول العالم فى حالة ترقب وقلق بشأن ما إذا كانت الفترة المقبلة ستشهد إجبار دول العالم على الاختيار بين الصين وأمريكا، وهل تظل قواعد العلاقة بين الأسهم والسندات كما كانت، وهل تبقى الملاذات الآمنة مجدية فى زمن الفوضى؟، وغير ذلك من التساؤلات التى تبحث عن إجابات واضحة، ولا تحيط بها الشكوك والاحتمالات المتضاربة، وفى هذا السياق، كتب الخبير الاقتصادى المصرى الأمريكى أن التوقعات تتوزع بين سيناريو «متفائل»، وآخر «متشائم».
السيناريو الأول يفترض نجاح إدارة ترامب فى تحجيم البيروقراطية، وتقوية القطاع الخاص، وفرض نظام تجارى عالمى أكثر عدالة، من خلال المساواة فى الأعباء، لكن هذا يتطلب نمواً اقتصادياً سريعاً، وصبراً من الأسواق، وثقةً دولية فى التزام واشنطن، أما السيناريو الثانى، فينذر بـ«كارثة» تتمثل فى تراكم العجز، وتآكل فى المؤسسات، وانسحاب أمريكا من التزاماتها الدولية، وتشكيل تحالفات اقتصادية جديدة خارج المظلة الأمريكية، وقد يؤدى ذلك إلى ما يشبه أزمة السبعينات «تضخم، وركود، وبطالة، وتراجع فى القوة الشرائية»، مع جيل جديد أقل قدرة على الصمود أمام الأزمات المتعددة، من الديون إلى التغيرات المناخية، وحتى الآن، تتأرجح التوقعات بين 80% لصالح تحسن تدريجى، و20% لاحتمال التدهور، لكن مع إعلان ترامب، فى أبريل الماضى، عن فرض رسوم جمركية أعلى من المتوقع، انقلبت الموازين، قبل أن تعود للهدوء النسبى، بعد تأجيل التنفيذ 90 يوماً، كل ذلك يؤكد أن العالم يعيش فى حالة من السيولة والتقلب، لا يبدو أنها ستنتهى قريباً.
وأضاف «العريان»، فى مقاله المنشور بمجلة «فورين أفيرز»، أنه أمام هذا الواقع المتغير، لا يمكن لأى حكومة أو شركة أن تعزل نفسها بالكامل عن العاصفة، لكن ما يمكن فعله هو بناء القدرة على التكيف، من خلال تعزيز المرونة، وتنويع الاستثمارات، وتقوية الميزانيات، وتطوير القوى البشرية، وشدد على أنه لا بد من إعادة التفكير فى أسس الاستثمار، وفى العلاقة بين الأصول، وفى استراتيجيات إدارة المخاطر، كما ينبغى تقليص الاعتماد على أمريكا، ولو بهدوء، وتوسيع دوائر الشراكة، وربما استغلال هذا الاضطراب كفرصة لإصلاح داخلى طال انتظاره.
واعتبر أن بعض الدول، خاصةً فى القارة الأوروبية، يمكنها الاستفادة من الوضع الحالى لدفع أجندة الإصلاح المؤسسى، وتوحيد الأسواق المالية، وتقليل الاعتماد على الدولار، كما أن الصين قد تجد فى «الفوضى الأمريكية» ذريعة لإعادة هيكلة نموذجها الاقتصادى نحو الاستهلاك المحلى والاستثمار الخاص، أما دول مثل البرازيل والهند، فقد تجد نفسها مدفوعة باتجاه كسر قيود «فخ الدخل المتوسط»، والتوجه إلى إصلاحات أعمق وأكثر جرأة، ومع ذلك، فإن اتخاذ قرارات جذرية فى ظل هذا القدر من الغموض، قد يكون محفوفاً بالمخاطر، وربما يكون الخيار الأمثل هو التدرج، عبر خطوات محسوبة تحمى المصالح، دون استفزاز الشركاء أو إشعال الأزمات، والمهم أن يتخلى صانعو القرار عن الجمود التقليدى، ويتجنبوا فخ «الجمود النشط»، الذى يدفع المؤسسات إلى مواصلة الطرق القديمة، رغم إدراكها لضرورة التغيير.
واختتم الخبير الاقتصادى المصرى الأمريكى مقاله بالقول إن العالم لم يعد يحتمل «الاستراتيجيات الكسولة»، والتاريخ يعج بالأمثلة على شركات ودول فقدت مكانتها، لأنها لم تتكيف مع الزمن، ومنها شركة «آى بى إم»، رغم إدراكها لثورة الحواسيب الشخصية، حيث فشلت فى تنفيذ التحول، بسبب تشبثها بالأنماط المألوفة، وانتهى بها الأمر إلى التحول إلى شركة خدمات، بعد أن فقدت ريادتها، كما أن العالم اليوم لم يعد يملك «رفاهية الفشل فى التكيف»، والولايات المتحدة لم تعد «ضامن الاستقرار» الذى عرفه العالم لعقود، والنظام العالمى لم يعد يملك بوصلة واحدة. فى هذا الزمن الملىء بالتحديات، لا مفر من التحلى بالجرأة، وامتلاك الرؤية، وتبنى أفكار غير تقليدية، لعل هذه الفوضى، التى يشهدها العالم حالياً، لن تكون حتماً طريقاً إلى الانهيار، وإنما قد تكون بداية لنظام عالمى جديد أكثر توازناً ومرونة.