يسرا زهران تكتب: الموت النووي لا يعرف الحدود.. سيناريو أخطر 72 دقيقة في الحرب العالمية النووية القادمة| الحلقة الثالثة
هناك تصور سائد لدينا بأن من يسيطرون على العالم يملكون أمورهم كلها تحت السيطرة، وأن القوى العالمية العظمى هى دول تعرف جيداً ما تفعله. ربما تسعى لفرض هيمنتها على العالم، لكنها لن تلقى به إلى الجحيم. التصور السائد أن هذه الدول تخطط أمورها دوماً بإحكام وتُنفذ خططها باحتراف وإتقان. إنها تعرف جيداً كيف تدافع عن وجودها، وكيف تصد من يُفكر فى مهاجمتها، بحسابات لا تخطئ، وضربات لا بد أن تصيب.
لكن «آنى جاكوبسون» فى كتابها عن سيناريو «الحرب النووية»، تصر على تبديد كل تلك الأوهام المريحة من عقولنا، لتجعلنا نُدرك أنه عندما يتعلق الأمر بالتهديدات النووية، فإن جنون الدول يتعاظم مع تعاظم قوتها، وحساباتها تخطئ أكثر مما تصيب، وضرباتها، مهما بلغ إحكامها، لا بد أن تخرج دائماً عن السيطرة.
أما بالنسبة لمن يتصورون أن الولايات المتحدة الأمريكية هى قوة خارقة لا تُقهر، غير قابلة أبداً للاختراق، ولا يسهل تعرّضها للضرب، ففى انتظارهم بين صفحات كتاب «جاكوبسون» تفاصيل تثير الذهول عن الثغرات الموجودة فى الأنظمة الدفاعية الأمريكية، ومدى فداحة «الأخطاء الدفاعية» التى قد ترتكبها (وارتكبتها بالفعل فى ما مضى) فى لحظات كادت أن تُشعل، وربما تُشعل يوماً ما، تلك المواجهة النووية العالمية التى يخشاها الجميع، حتى لو عن طريق الخطأ، وبسرعة لا يتخيلها أحد.
نحن الآن فى نهاية الدقائق الست التى لا يملك الرئيس الأمريكى سواها، وفقاً لخطط المواجهة الدفاعية الأمريكية الفعلية، لكى يتخذ قراره بكيفية مواجهة أى هجوم نووى على الولايات المتحدة، بعد أن انطلقت أنظمة الإنذار الأمريكية تحذر من هجوم وشيك بصاروخ باليستى عابر للقارات ينطلق من كوريا الشمالية نحوها فى السيناريو الذى رسمه كتاب «جاكوبسون».
أعطى الرئيس الأمريكى أوامره فى الدقيقة العاشرة بعد انطلاق صاروخ «يُشتبه» فى أنه يحمل رأساً نووياً من كوريا الشمالية نحو الساحل الشرقى الأمريكى، وفقاً لسياسة «الإطلاق عند الإنذار» الدفاعية الأمريكية التى تقوم على مبدأ إطلاق الأسلحة النووية ضد أى دولة يتم رصد إطلاق ضربة نووية منها ضد الولايات المتحدة حتى قبل أن تتلقى هذه الضربة، وحتى لو تمّت إعاقة هذه الضربة قبل بلوغ هدفها.
عدة أهداف سيتم ضربها فى كوريا الشمالية، بهدف شل قدرتها على مواصلة هجومها (82 هدفاً)، تم تحديدها مُسبقاً من قبل فى «الكتاب الأسود»، الذى يلازم الرئيس الأمريكى، حاملاً خيارات أهداف الضربات النووية وأنواع الأسلحة الأمريكية المتأهبة للانطلاق براً وبحراً وجواً فى أى لحظة بأوامر الرئيس الأمريكى. وتتحرّك الغواصات النووية وقاذفات القنابل النووية الأمريكية حول وفوق شبه الجزيرة الكورية.
ثم يبلغ القادة العسكريون الرئيس الأمريكى فى سيناريو «جاكوبسون» أن قاعدة إطلاق الصواريخ الكورية «تونجشانج - رى» التى سيتم استهدافها فى الضربة الانتقامية النووية الأمريكية تقع على بُعد 40 ميلاً فقط من بلدة «داندونج» الصينية على حدودها مع كوريا الشمالية. وأن هذه البلدة فيها نحو 2.2 مليون صينى سيتعرّضون لموت شبه مؤكد بسبب الإشعاع النووى المتصاعد بعد الضربة الأمريكية المرتقبة لكوريا الشمالية.
الأخطر، على الجانب الآخر، أن هدفاً ثانياً لضربة الرد الأمريكية فى «بونجيى - رى» الكورية يقع على بُعد 200 ميل من مدينة «فلاديفوستوك» الروسية التى يقطن فيها ما يقرب من 600 ألف مواطن روسى، كلهم أيضاً معرّضون لخطر الهلاك بسبب الإشعاعات النووية المنبعثة من موقع الضربة فى كوريا الشمالية. و«فلاديفوستوك» هى المقر الذى يوجد فيه الأسطول الروسى فى المحيط الهادى، وفيه عشرات السفن الحربية الروسية، التى لن تقف ساكنة أمام خطر هلاك مواطنيها. هذا إن نجت هى نفسها من الهلاك!
أى إن ضرب أمريكا لذلك الهدف الكورى الشمالى يعنى توجيه ضربة نووية غير مباشرة إلى روسيا، تسقط 600 ألف مواطن روسى، بالإضافة إلى الأسطول الروسى فى المحيط الهادى!
هذا جزء مما لا يعلمه أو يتخيله كثيرون عندما يسمعون حديثاً عن الضربات النووية التى يتخيلون أنها «محدودة». تقول «جاكوبسون»: «إن هناك مسئولين عسكريين متخصّصين فى حساب هذه التقديرات التى تحاول أن تحسب عدد الضحايا والخسائر البشرية والمادية، التى تنتج «بالضبط» عن ضرب أى هدف تحدّده أمريكا بالصواريخ أو القنابل النووية. هذه التقديرات هى التى تأخذ فى اعتبارها حجم امتداد الإشعاعات النووية إلى الدول المجاورة. تلك التقديرات نفسها هى التى أشارت فى فترة التوتر النووى بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى فى الستينات إلى أن الخطة الأمريكية لتوجيه ضربة نووية إلى أهداف محدّدة فى «موسكو» سوف ينتج عنها مقتل نصف الشعب الصينى بسبب الإشعاع الناجم عنها. هذه التقديرات تعنى بأرقام اليوم أن أكثر من 700 مليون مواطن صينى سيتعرّضون للموت بسبب التسمّم الإشعاعى، لو أن أى هجوم نووى وقع على «موسكو».
الموت النووى لا يعرف الحدود، مهما أوهمونا بالعكس، لا أحد يمكنه السيطرة عليه.
هذه التقديرات والأرقام المخيفة التى يحسب حسابها كل المسئولين العسكريين الأمريكان، هى التى تجعل وزير الدفاع الأمريكى فى السيناريو الذى تتصوره «جاكوبسون» يطالب الرئيس الأمريكى بعدم إصدار الأمر بشن الهجوم الأمريكى المضاد على كوريا الشمالية قبل التواصل مع روسيا والصين وإبلاغهما بنية أمريكا. إن الموقف مُشتعل بما فيه الكفاية، وأى تحرك إضافى من أمريكا لن يُؤدى إلا إلى اتساع نطاق الحرب لتتحول إلى حرب نووية شاملة.
فى تلك اللحظة، يشير العد التنازلى الذى بدأ منذ رصد انطلاق صاروخ من كوريا الشمالية فى اتجاه أمريكا إلى أن هناك 21 دقيقة متبقية حتى يضرب هدفه فى «واشنطن». ربما يكون مقر وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاجون» أو البيت الأبيض. يقف قائد القيادة الاستراتيجية الأمريكية فى مقر القيادة بولاية «نبراسكا» فى انتظار أكواد أو شفرات الإطلاق النووية من الرئيس الأمريكى لإطلاق الصواريخ التى تحمل رؤوساً نووية على الأهداف المحددة فى كوريا الشمالية. بينما يحاول وزير الدفاع الأمريكى ومستشار الأمن القومى فى سيناريو «جاكوبسون» التواصل مع القيادات فى الصين وروسيا لإبلاغهم باستعداد «واشنطن» لتوجيه ضربة نووية بكل ما يترتب عليها. وعندما ينجح مستشار الأمن القومى الأمريكى أخيراً فى التواصل مع القيادة الصينية فى سيناريو «جاكوبسون»، يأتيه الرد الصينى حازماً وحاسماً ومنطقياً بشكل لا يقبل النقاش: «إن «بكين» ستعتبر أن مقتل مواطنين صينيين بسبب التسمم الإشعاعى الناجم عن الضربة النووية الأمريكية لكوريا الشمالية هو عمل حربى موجه ضد الصين، أو بمثابة إعلان حرب».
هنا يتعقّد الموقف أكثر، وما يزيده تعقيداً على الجانب الآخر أن وزير الدفاع الأمريكى لا يستطيع التواصل مع «موسكو»، قائلاً: «سيكون من الجنون إطلاق أى هجوم نووى دون إبلاغ روسيا، لكن لا يمكننا الوصول إلى «الكرملين» (مقر حكم الرئيس الروسى)». تقول «جاكوبسون»: «إن هذا فى الواقع هو أمر من الوارد جداً حدوثه، ففى نوفمبر 2022، وبعد تقرير (تبين خطؤه فى ما بعد) بأن هناك صاروخاً روسياً قد ضرب منطقة فى «بولندا» (التى تُعد ضمن أعضاء حلف شمال الأطلسى «الناتو» فى هذا التوقيت الذى وصل فيه التوتر مع «موسكو» إلى أقصى درجاته بسبب الحرب مع أوكرانيا)، ظل رئيس الأركان الأمريكى، الجنرال «مارك ميللى» يحاول الاتصال بنظيره الروسى لأكثر من 24 ساعة كاملة دون جدوى».
وتعود «جاكوبسون» إلى أحداث سيناريو كتابها، وتجعلنا نتخيل معها موقفاً مشابهاً لانقطاع التواصل بين القيادة الأمريكية ونظيرتها الروسية فى لحظة حرجة. تقول: «فى كل مكان عبر مركز القيادة العسكرية القومية الأمريكية يحاول الكل إجراء اتصال بالخط الساخن لفك النزاع بين روسيا وأمريكا. هذا الخط هو وسيلة اتصال تم وضعها لتفادى أى سوء تفاهم فى ما يتعلق بالناحية العسكرية بين القوتين العظميين النوويتين».
لكن هذا الاتصال، لسبب ما فى سيناريو «جاكوبسون»، لا يتم. ويزداد الموقف على الجبهة الروسية-الأمريكية غموضاً وتعقيداً كما حدث على الجبهة الأمريكية-الصينية.
وهنا لا بد لسؤال منطقى ومشروع أن يطرح نفسه: ألا تقدر أمريكا بكل ما تملك من أنظمة دفاعية متقدمة على صد صاروخ نووى مارق؟ ألا تقدر أقوى دولة فى العالم حتماً على منع تعرض أراضيها لهجوم نووى؟.
الإجابة: لا!
هذه الإجابة الصادمة تفسرها لنا «جاكوبسون» فى كتابها قائلة: «هناك خرافة تنتشر بين الأمريكان أن الولايات المتحدة قادرة بسهولة على إسقاط أى صاروخ باليستى عابر للقارات يتّجه للهجوم عليها (كما فى هذا السيناريو الذى ينطلق فيه هذا الصاروخ الذى يحمل رأساً نووياً من كوريا الشمالية). هذا هو ما يردّده الرؤساء والنواب فى «الكونجرس» ومسئولو الدفاع وآخرون لا يحصى عددهم فى قطاعات الصناعات الدفاعية. إلا أن هذا الأمر ببساطة غير صحيح!». وتواصل: «إن وكالة الدفاع الصاروخى الأمريكية هى المنظمة المسئولة عن إسقاط الصواريخ التى تنطلق فى طريقها إلى الولايات المتحدة. تم تطوير نظام الاعتراض الرئيسى فيها فى بداية الألفية، عندما تسارعت الوتيرة التى تطور بها كوريا الشمالية برامج صواريخها الباليستية العابرة للقارات. إن النظام الدفاعى الأمريكى يتمحور حول 44 صاروخاً من صواريخ الصد التى يبلغ طول الواحد منها 54 قدماً، وهى مصمّمة لضرب واعتراض الصواريخ التى تحمل رؤوساً نووية بعد انطلاقها بواسطة قذيفة يبلغ وزنها 140 رطلاً. لو انطلق صاروخ نووى من كوريا الشمالية فسيطير بسرعة 14 ألف ميل فى الساعة، بينما سينطلق صاروخ الاعتراض الأمريكى بسرعة 20 ألف ميل فى الساعة، مما يجعل عملية اعتراض صاروخ الصد الأمريكى لصاروخ الهجوم الكورى أمراً يشبه أن تحاول اعتراض رصاصة منطلقة بإطلاق رصاصة عليها، على حد تعبير المتحدث باسم وكالة الدفاع الصاروخى نفسه».
وطريقة «ضرب الرصاصة برصاصة أخرى» هذه تعنى أن عملية اعتراض صاروخ منطلق بصاروخ صد أمر يحتاج إلى درجة خرافية من الدقة وحساب التوقيت الذى لا يخطئ ولو بجزء من الثانية.
هل هذا أمر يمكن تحقيقه؟ هل نجحت أمريكا فى تطوير أنظمة الصد الصاروخى فيها تصل إلى هذه الدرجة من الكفاءة والدقة المتناهية؟
الإجابة مرة أخرى: لا!
تواصل «جاكوبسون» سرد تلك التفاصيل الصادمة فى كتابها قائلة: «إنه منذ عام 2010 وحتى عام 2013 لم تنجح عملية اعتراض واحدة فى الاختبارات الأولى لنظام الصد الصاروخى، ولا واحدة!. وفى العام التالى، قال تقرير لمكتب مساءلة (أو محاسبة) الحكومة الأمريكية إن هذا النظام لا يعمل بشكل فعلى لأن تطويره شابه الكثير من العيوب، وأن صواريخ الصد الأمريكية لا تقدر إلا على اعتراض تهديد بسيط بصورة محدودة. وبعد خمس سنوات، ومليارات الدولارات التى تم إنفاقها من أموال دافعى الضرائب الأمريكان، فشلت 9 محاولات من أصل 20 محاولة فى اختبارات الصد والاعتراض الصاروخى الأمريكية، الأمر الذى يعنى أن احتمال نجاح أمريكا فى صد واعتراض صاروخ باليستى مثل صاروخ هواسونج-17 الكورى الشمالى قبل أن يصل إليها فى حالة إطلاقه للهجوم، هى نسبة نجاح لا تزيد على 55%».
إذن فاحتمالات نجاح أو فشل الولايات المتحدة فى التصدى لهجوم بصاروخ نووى عليها تكاد تكون متساوية. واختارت «جاكوبسون» أن تبنى سيناريو الحرب النووية فى كتابها على احتمال الفشل، وأنه بعد ٤ محاولات متتالية صاروخية أمريكية لاعتراض الصاروخ الكورى المتجه إلى «واشنطن» بطريقة «اعتراض رصاصة بإطلاق رصاصة عليها»، فشلت صواريخ الصد الأمريكية فى منع الهجوم.
تصف «جاكوبسون» نظام الصد الصاروخى الأمريكى فى حالات الهجوم النووى عليها بأنه نظام «للعرض فقط»، وتقول: «عدد صواريخ الصد والاعتراض الأمريكية يصل إلى 44 صاروخاً (مطلوب منها أن تتصدى لأى هجوم يتم بواسطة صواريخ نووية على الولايات المتحدة). فى بدايات عام 2024، كانت روسيا تمتلك 1674 صاروخاً نووياً معظمها فى حالة التأهب للانطلاق. وتمتلك الصين ترسانة مكونة من 500 صاروخ، بينما تمتلك كل من الهند وباكستان ما يقرب من 165 صاروخاً، أما كوريا الشمالية فتمتلك ٥٠ صاروخاً قادراً على حمل الرؤوس النووية. وهكذا فإن نظام الاعتراض الصاروخى الأمريكى، بصواريخه الـ44، هو فى الأساس نظام للعرض فقط».
لكن نظام الصد والاعتراض الصاروخى الأمريكى ليس هو النظام الدفاعى الوحيد الذى يعانى من ثغرات كثيرة لا يعلم عنها العالم، ولا الأمريكان أنفسهم إلا القليل.
هناك نظام آخر فى منظومة الدفاع الأمريكية ضد الهجمات النووية، هو نظام محطات الرادار والرصد التى يكون مطلوباً منها تحديد الأهداف التى ينبغى على صواريخ الصد الأمريكية أن تعترضها بطريقة «رصاصة توقف رصاصة» التى تتساوى فيها احتمالات النجاح والفشل. أشهر محطات الرادار والإنذار المبكر هى تلك الموجودة فى ولاية ألاسكا الأمريكية، وتلك الموجودة فى قاعدة «بيل» الجوية فى كاليفورنيا، وقاعدة «بيتوفيك» فى جرينلاند، وقاعدة «كيب كود» فى ولاية «ماساشوسيتس» الأمريكية.
تقول «جاكوبسون»: «إنه لعقود طويلة، ظلت الولايات المتحدة تعتمد على محطات الرادار الأرضية تلك، فى مراقبة الفضاء والسماء من أجل كشف أى هجوم بصواريخ باليستية عليها (كما يحدث فى السيناريو الذى ترسمه فى كتابها). صحيح أن الخطأ البشرى أمر وارد الحدوث، لكن الآلات تخطئ كذلك. والواقع أن محطات الرادار تلك كانت مسئولة عن العديد من الإنذارات الخاطئة التى كادت تتسبب فى كوارث وشيكة. ذات مرة فى خمسينات القرن الماضى، أخطأت أنظمة الرادار والإنذار المبكر الأمريكية وتصورت أن سرباً من البجع هو سرب من طائرات «ميج» الروسية المقاتلة فى طريقه إلى الولايات المتحدة مروراً بالقطب الشمالى! وفى مرة أخرى، فى أكتوبر عام 1960، أخطأت محطة الرادار الأرضى فى جرينلاند، وأعطت إشارة خاطئة بأن القمر البازغ فوق النرويج هو فى الواقع ألف صاروخ باليستى مهاجم!. وعام 1979، تم تشغيل شريط اختبار ومحاكاة لهجوم بالخطأ فى كمبيوتر تابع لقيادة دفاع الفضاء الجوى لأمريكا الشمالية (نوراد)، بشكل خدع المحللين ودفعهم إلى التصور بأن الولايات المتحدة الأمريكية تحت هجوم يتم بواسطة الغواصات النووية والصواريخ الباليستية النووية الروسية».
وزير الدفاع الأمريكى الأسبق «ويليام بيرى» كان شاهداً وفاعلاً فى هذا الموقف الأخير، وجلس يصف لـ«جاكوبسون» تلك الحالة الجنونية التى يمكن أن تنتاب عقل المرء وهو يحاول أن يستوعب تلك الفرضية المفزعة بأن الولايات المتحدة تتعرض لهجوم نووى. حادثة شريط محاكاة الهجوم النووى الروسى الذى تم تشغيله بالخطأ فى كمبيوتر «نوراد» وقعت تحت أنظار «بيرى» عندما كان يشغل منصب نائب وزير الدفاع للبحوث والهندسة، ولدقائق قصيرة، بدأ يجهز نفسه لإبلاغ الرئيس الأمريكى («جيمى كارتر» وقتها) بأن اللحظة الرهيبة قد أتت، وأن على الرئيس أن يطلق هجوماً نووياً مضاداً، إلا أن هذا الإنذار المبكر كما تبين فيما بعد، كان مجرد إنذار بهجوم وهمى. ويحكى «بيرى» لـ«جاكوبسون»: «ما رأيناه على شاشات الكمبيوتر وقتها كان مجرد محاكاة لهجوم فعلى، لكن الأمر بدا كما لو كان حقيقياً حتى إننى صدقت أنه كذلك».
وتتابع «جاكوبسون» فى الكتاب: «لكن عام 1979، وبدلاً من إيقاظ الرئيس «كارتر» فى منتصف الليل كما كانت تقتضى وظيفة «بيرى» فى حالة هجوم مماثل، بحث المسئول الرئيسى عن المراقبة النووية فى «نوراد» فى تلك الليلة وراء ذلك الأمر وتبين له أن المسألة مجرد خطأ تقنى وليست هجوماً نووياً. ويروى «بيرى» أنه لعدة دقائق مرعبة تصور أن الحرب النووية على وشك أن تندلع ويتابع وزير الدفاع الأسبق الذى أصبح اليوم فى التسعينات من عمره: «لا يمكننى أبداً نسيان تلك الليلة. واليوم أصبحنا أقرب إلى اندلاع حرب نووية، حتى عن طريق الخطأ، أكثر مما كان عليه الحال فى فترة الحرب الباردة. إن سيناريو الحرب النووية الذى يطرحه هذا الكتاب ليس خيالياً ولا مستبعداً، لكن لا بد من النظر إليه على أنه من الوارد جداً حدوثه».
واليوم، فى القرن الحادى والعشرين وفقاً لـ«جاكوبسون»: «فإن أنظمة الأقمار الصناعية الأمريكية قد حلت محل أنظمة الرادار الأرضية من أجل إطلاق الإنذار المبكر حول أى هجوم نووى خاطف على الولايات المتحدة، إلا أن أنظمة الرادار الأرضى حول العالم ما زالت موجودة لتقديم تأكيد ثانٍ حول حدوث هجوم نووى».
لكن فى سيناريو «جاكوبسون» الحالى فإن الصاروخ النووى الذى يتجه للولايات المتحدة من كوريا الشمالية ليس سرباً من البجع ولا قمراً بازغاً ولا شريط محاكاة لهجوم زائف، لكنه هجوم حقيقى.
هجوم لا يمكن أن ترد عليه أمريكا إلا بخيار نووى وهجوم مضاد يؤدى لمقتل ملايين البشر منذ لحظاته الأولى.
لكن الأسوأ أنه لا يمكن للصواريخ الأمريكية أن تضرب كوريا الشمالية إلا بالمرور على روسيا أولاً!.
ولكن تلك قصة أخرى.