أطول (لا) قالتها ثورة يوليو!
كان فى بيته يتناول إفطاره رفقة الشاى، مقلباً فى صفحات الجرائد، مطالعاً أخبار البلد، والإقليم، والعالم، والرئيس جمال، والثورة عقب نحو ثلاثة أعوام من اندلاعها، إلى أن قطع عليه كل هذا جرس الهاتف. نهض السيد/ محمد حسن التهامى من أجل الرد، فاكتشف أن على الطرف الآخر من المكالمة الأمريكى «مايلز كوبلاند»، كبير ضباط المخابرات الأمريكية فى الشرق الأوسط، الذى طلب أن يلتقيه فى فندق سميراميس، متوارياً عن الأعين، والأهم أن يأتى وحده! رأى التهامى -وكان حينئذ مستشاراً للرئيس- أنه من باب الحكمة أن يبلغ بأمر هذا اللقاء السرى المريب السيد/ زكريا محيى الدين، الذى نيط به فى هذا الوقت تأسيس المخابرات العامة المصرية.
وفى الطريق إلى الفندق القاهرى الشهير، ماج رأس التهامى بالأفكار فى محاولة للإجابة عن سؤال محير: لماذا هذا اللقاء الذى تحفّه هذه المرة تلك الشبهات؟! فالتهامى التقى الضابط كوبلاند سابقاً أكثر من مرة، ولكن فى حفلات استقبال للسفارة الأمريكية بالقاهرة، لكن لقاءهما المرتقب فى هذا اليوم بدا مختلفاً! على أى حال، وعقب أن طرق التهامى باب الجناح المتفق عليه، فتح له كوبلاند وقاده نحو الداخل. وعقب قليل من أحاديث مصطنعة عن منحى العلاقات المصرية الأمريكية فى أعقاب ثورة يوليو، استطرد كوبلاند مؤكداً أن الكونجرس قرر تقديم دعم مالى لرؤساء الدول الصديقة للولايات المتحدة فى المنطقة، وعلى رأسها مصر، وقد كُلف بتولى تقديم مبلغ -عن طريق التهامى- إلى الرئيس عبدالناصر بعيداً عن القنوات الدبلوماسية، كى يتصرف فيه وفق ما يراه، وأكد أن الولايات المتحدة على أتم استعداد لتلبية أى طلبات أخرى للرئيس ناصر، ثم نهض وأحضر من داخل غرفة ملحقة بالجناح حقيبة مشابهة لتلك التى تُرى فى أفلام السينما عند إبرام الصفقات الكبرى! وفتحها أمام التهامى الذى وجدها ملآنة عن آخرها بأوراق البنكنوت الأمريكية الخضراء. هكذا كان على السيد/ حسن التهامى، مستشار رئيس الجمهورية، أن يحمل رشوة مالية ضخمة مُقدمة من واشنطن إلى جمال عبدالناصر!
فى هذا المساء الثقيل لم يتمكن التهامى من النوم حتى الفجر، وفى الساعة السابعة صباحاً شرع يتواصل مع السيد/ على صبرى، مدير مكتب الرئيس، طالباً لقاء الرئيس لأمر بالغ الحساسية، وقد حُدد له الموعد. وقبيل الدخول إلى جمال عبدالناصر، فتح التهامى الحقيبة أمام على صبرى، الذى ظن فى البدء أن بها مستندات، أو وثائق، أو خرائط، ثم ذُهل حين رأى مليون دولار أمريكى! وقد أصر التهامى على ألا ينطق بحرف إلا أمام الرئيس. وفى تمام الحادية عشرة صباحاً كان الاثنان أمام ناصر، الذى مازح التهامى مستفهماً عن الحقيبة، قائلاً: «قنبلة لاغتيالى؟!»، فضحك الجميع، ليسرد بعد ذلك التهامى تفاصيل كل ما دار أمس، فما كان من الرئيس جمال إلا أن قال: «إنها قنبلة لاغتيال ذمتى المالية»، ثم استفهم من التهامى إن كان قد عَدَّ المبلغ، وقد أجاب بأنه قد عَدَّ المليون فوجده ناقصاً 25 دولاراً، فأمره الرئيس بإخراج الحقيبة من مكتبه والتحفظ على المال، والتواصل مع السيد/ زكريا محيى الدين فى المخابرات العامة، لبحث كيفية الرد على وقاحة الأمريكيين برسالة موجعة ومعبرة عن كرامة المصرى التى لا تُباع ولا تُشترى، على أن يكون مقترح الرد سرياً، وفوق مكتبه خلال أسبوعين.
فى مقر المخابرات العامة -آنذاك- بالملحق الخلفى لمبنى مجلس الوزراء بشارع مجلس الأمة، اجتمع السيد/ زكريا محيى الدين، والسيد/ محمد حسن التهامى، والسيد/ أحمد يسرى مصطفى الجزار. كان المجتمعون فى الغرفة المغلقة على إدراكٍ أن هدف الرشوة هو احتواء زعامة ناصر البازغة بحقن ذمته المالية دولارياً، ومن ثم امتثال ثورة يوليو لإملاءات الأمريكيين، وتوقف مصر عن مساندة ثوار الجزائر وباقى الحركات التحررية فى القارة السمراء. وعقب نقاشات ومداولات كان الإجماع على المقترح الذى استحسنه الرئيس جمال، وأمر على الفور ببدء تنفيذه، وهو استغلال أموال الـC.I.A فى تشييد معلم سياحى مصرى بالغ الارتفاع يتجسد كأطول (لا) تُقال فى وجه الولايات المتحدة! تلك الـ(لا) التى أصر عليها ناصر، وصاغتها ببراعة المخابرات العامة، وصممها معمارياً وبناها المهندس المصرى «نعوم شيبوب»، فى ملحمة سرد كثيراً من تفاصيل باحتها الخلفية وخفاياها المُشرفة اللواء الدكتور عادل شاهين، وكيل المخابرات العامة سابقاً، فى كتابه «برج القاهرة.. أول مهمة قومية للمخابرات العامة المصرية»، هذا البرج الذى يقف فى جزيرة الزمالك شاهداً بديعاً على كبرياء ثورة يوليو المجيدة.