فى عالم الحيوان والطيور يصنف العلماء فصائل مختلفة لكل من ينتمى لهذا العالم، لكل فصيلة عادات وصفات لا تتشابه، بل تختلف وتتنافر، ومهما حاول دارسو وأطباء علم الوراثة العبث بالچينات والخصائص، فإن الاختلافات تظل قائمة إلى الأبد، ولا تخرج نتائج لتجاربهم إلا كائنات مشوهة تشبه تلك الصور التى يخرجها الذكاء الصناعى.
وفى عالم الطيور الجارحة، فإن طائر العقاب والنسر والصقر هى التى تتربع على القمة من حيث السرعة والقوة وحدة البصر.
وإذا كان البعض ينظر لهذه الطيور بإعجاب واندهاش من قوتها وسرعتها وتربعها على عرش الملك فى الفضاء ووسط الغابات وأعلى قمم الجبال، فإنه فى عالم التسليح والابتكار والتصنيع الحربى تطلق أسماء بعض هذه الطيور على أسلحة ومصانع للسلاح تشبهاً بقوتها الخارقة وسيطرتها على الجو.
وبطبيعة الحال تختلف نظرة الكتاب والشعراء والرومانسيين لتلك الطيور الجارحة، بل إن البعض من هؤلاء لا يخفى رعبه من مشهدهم وهم يحلقون عالياً وينقضون من الارتفاعات الشاهقة على فرائسهم لقتلها والسطو عليه وسرقتها وتحويلها لغذاء لصغارهم ولهم فى مشاهد درامية موجعة.
ولأننى أنتمى لتلك الفئة التى ترى تلك الطيور سارقة وقاتلة، فقد أحسست أن ما نعيشه الآن فى العالم هو لقطة مكبرة لتلك العلاقة بين النسر والفريسة، أو العقاب وصغار الطيور، أو الغزلان الوليدة، أو حتى الأرانب البرية التى يسقط عليهم من السماء فجأة ودون سابق إنذار.
ما يحدث فى غزة الآن هو تطبيق لتلك المعادلة اللاإنسانية وبكل أسف ليست هى المرة الأولى التى تطبق فيها على البشر، فالتاريخ يعيد نفسه بكل قسوة وعنف وضعف فى نفس الوقت، ويكفى أن نتذكر تلك الصفحات التى لم نتعلم منها، فقد حدث حصار لينينجراد - روسيا (1941 - 1944) عندما حاصر النازيون المدينة 780 يوماً فمات قرابة المليون مدنى جوعاً.
وفى سراييفو - البوسنة (1992 - 1996) حاصرت القوات الصربية المدينة ومنعت الغذاء والكهرباء، ما أدى إلى مجاعة ومقتل الآلاف.
وفى سوريا، حاصرت قوات النظام السابق الغوطة ومضايا (2013 - 2016) وتم قتل مدنيين وأطفال جوعاً، وحدث نفس الشىء فى اليمن منذ 2015.
أما قطاع غزة، فإن إسرائيل تفرض عليه حصاراً شاملاً وتتساقط الضحايا والأطفال أمام العالم دون أى تحرك رغم أن لدينا العديد من الاتفاقيات فى إطار القانون الدولى تمنع ذلك.
فهناك اتفاقيات چنيف منذ عام 1949 والبروتوكول الإضافى الأول عام 1977 والتى تحظر استخدام التجويع كأسلوب من أساليب الحرب، خاصة ضد المدنيين.
ونظام روما الأساسى للمحكمة الجنائية عام 1988 الذى نص على أنه يعتبر تجويع السكان المدنيين عمداً جريمة حرب إذا كان يتم عبر منع الإمدادات الضرورية لبقائهم.
وقرار مجلس الأمن 2147 لعام 2018، الذى يدين استخدام الجوع كسلاح ويربط بين الصراعات المسلحة وانعدام الأمن الغذائى وخطر المجاعة، ورغم وضوح هذه النصوص القانونية، فإن المحاسبة تبقى نادرة بسبب غياب الإرادة السياسية الدولية، وحتى الآن لم تحاسب أى جهة فى التاريخ الحديث على ارتكاب تلك الجرائم.
ولقسوة تلك المشاهد وعدم إنسانيتها، فقد تناول العديد من الكتاب هذه الجريمة؛ ففى كتاب مايك ديفيس (محرقة أواخر العصر الفيكتورى وظاهرة النينيو والمجاعات ونشأة دول العالم الثالث) شرح كيف استخدمت المجاعات فى الهند تحت الاستعمار البريطانى لإضعاف المجتمعات المستعمرة وفرض سياسات مدمرة عليها.
وأجرى أليكس دى وال بحثاً تحت عنوان (المجاعة والجرائم السياسية وصناعة الإغاثة من الكوارث فى أفريقيا)، فأكد فيه أن التجويع فى النزاعات يستخدم للضغط على المجتمعات ودفعها للاستسلام أو قبول تسويات مجحفة.
أما سوزان چورچ ففى كتابها (سياسات المجاعة)، فقد عرفت التجويع بأنه (العملية التى يتم من خلالها تعطيل وكالات الإغاثة من عملها لخدمة أهداف سياسية، وأن الجوع يصبح فى كثير من الأحيان نتيجة اختيارات بشرية وليس مجرد حادث كونى، ما يؤدى لإعاقة العمل الإنسانى).
فهل ستنجح هذه الاتفاقيات الدولية والمنظمات الأممية فى تخليص الفريسة من مخالب النسر؟