حال المسار الرأسمالي (2)
لم يلتفت غلاة الرأسماليين المتوحشين إلى تحذير الأديان من تحويل الإنسان إلى عبد للمال، والانحراف به عن غاية خلقه، ومهمة وجوده على هذه الأرض.
وقد لفت هذا الانحراف أنظار بعض الحركات الاجتماعية فى البلدان المسيحية، فظهرت حركة لاهوت التحرير فى أمريكا اللاتينية، التى لم يرق لها تطويع رسالة المسيح عليه السلام لخدمة الرأسمالية، مثلما فعل ماكس فيبر الألمانى فى حديثه عن الروح الرأسمالية للبروتستانتية، وظهرت عن بُعد رؤى نقدية عنيفة للمسلك الرأسمالى على أيدى بعض الكتاب والمفكرين الإسلاميين، فهاجم سيد قطب فوسم أحد كتبه بـ«معركة الإسلام والرأسمالية» مقدّماً تصوراً مبدئياً عن صراع الحضارات الذى وسعه صمويل هنتنجتون وأضاف إليه ومنحه بعض التبريرات النظرية والعملية.
كما هاجم عبدالوهاب المسيرى منطق «اللذة» الذى يسيطر على الرأسمالية المعاصرة، وكتب إسلاميون كثر عن خطيئة الانحياز الغربى إلى «الفردية»، وراحوا يُقدّمون البديل، الذى جسّده أحمد سيكوتورى فى كتابه الصغير المهم «الإسلام دين الجماعة»، وظهرت كتابات لا تُحصى تهاجم المعاملات الربوية، وتنبئ بأنها ستقود العالم إلى الهلاك.
لكن صوت أتباع الأديان ضاع وسط إصرار الرأسماليين على التقدم فى مسارهم مهما كانت النتيجة، ووسط فشل منتقدى النظريات الاقتصادية الحديثة فى تقديم بديل متماسك ومتكامل، والاكتفاء بمقولات فضفاضة تدور فى الغالب الأعم حول القيم الأخلاقية.
ولم يلتفت غلاة الرأسمالية أيضاً إلى أطروحات الماركسية حول ما تفعله تصرّفات الرأسماليين من إزكاء الصراع الطبقى، وكيف يؤدى هذا إلى تحلّل النظام الرأسمالى وانهياره تحت أقدام ثورة «البروليتاريا».
ولم يقف هؤلاء طويلاً أمام حديث الماركسية أيضاً عن الاستعمار بوصفه أعلى مراحل الرأسمالية، فاندفعت الجيوش الغربية مرة أخرى إلى العالم الثالث، مُتخذة من حدث 11 سبتمبر ذريعة لتحقيق رغبة المركب الصناعى العسكرى الأمريكى فى إعادة العالم إلى زمن الاستعمار التقليدى، فتم احتلال أفغانستان والعراق والصومال عبر إثيوبيا، والتهديد غير مرة بتطوير الهجوم ليطول بلاداً أخرى، ثم تمدّد نفوذ حلف شمال الأطلسى «الناتو» شرقاً، وقضم «المجال الحيوى» لروسيا الاتحادية، لاسيما بعد أن وضعت الولايات المتحدة الأمريكية قواعد عسكرية لها فى آسيا الوسطى والقوقاز، وانتهى الأمر بتفجير حرب بين روسيا وأوكرانيا.
ولولا صمود المقاومة فى العراق وأفغانستان والصومال، واستعادة روسيا زمام أمرها وبعض مجدها الضائع، لتطورت هذه الحركة الاستعمارية وأعادتنا إلى زمن الإمبراطوريات التى لا تغرب عنها الشمس، وإن كانت إسرائيل فى توجّهها العدوانى الراهن حيال محيطها الإقليمى قد أعادت هذه النزعة إلى الوجود.
ولا شك أن هذا الاندفاع الاستعمارى كان أحد الأسباب الرئيسية للأزمة الاقتصادية التى واجهتها الولايات المتحدة الأمريكية عام 2008، وليست مصادفة أن يكون مقدار المبلغ الذى تدخّلت به الحكومة الأمريكية وقتها لإنقاذ الاقتصاد يساوى حجم تكلفة الحرب على العراق واحتلالها، وهو سبعمائة مليار دولار.
لكن يبقى هناك من لم يلتفت أكثر إلى كل ما يجرى، ألا وهم بعض صانعى القرار الاقتصادى فى بعض الدول النامية، حيث لا يزالون مخلصين لولعهم بالاقتصاد الرمزى الذى يقوم على وفورات مالية يتضارب بها الناس فى البورصات من دون أن تقابلها قواعد إنتاجية حقيقية، ويؤمنون بأن الخصخصة المفتوحة على مصراعيها والدولة المنكمشة إلى أدنى حد هى طريق الخلاص لمجتمعاتنا من التخلّف الاقتصادى، ويسحبون يد الدولة تباعاً من أىّ التزامات حيال المواطنين، فى وقت تجدّد فيه الرأسمالية الغربية نفسها بالاستفادة من بعض تصوّرات الاشتراكية، دون جور على الحافز الفردى، وحق التملك وصيانته، وتوفير الإطار القانونى العادل، واحترام الحريات العامة.