عاش جمال عبد الناصر
منذ 55 عاما ووري الثرى جثمان رجل من أعظم الرجال . رجل حرر بلاده من استعمار خبيث مص دماءها ونكل بأهلها، استرد قناتها التي هي أهم ممر ملاحي في العالم من أنياب أقوى دولتين استعماريتين في ذلك الوقت، بنى السد العالي وخاض معركة تحدي ضد أمريكا وبريطانيا والبنك الدولي، ساهم بقوة في تحرير دول عربية من ربقة الاستعمار وكذلك دول أفريقية.
بنى 1200 مصنع بخلاف ما تم تأميمه من شركات الأجانب فكان للدولة قطاع عام استطاع أن يحمي البلد في وقت الحرب ويوفر كل ما يحتاجه الشعب.
بنى آلاف المدارس وأقر مجانية التعليم الجامعي وأنشأ جامعة الأزهر لتخريج المهندس الفقيه والطبيب الفقيه وغيرهم، أسس إذاعة القرآن الكريم التي حفظت القرآن بصوت كل قراء ذلك الزمان ومن أتوا بعدهم.
أسس التلفزيون وأكاديمية الفنون وبنى كيما والحديد والصلب ومجمع الألومنيوم واتسعت في عهده الطبقة الوسطى حتى صارت سمة الاشتراكية غالبة على الدولة.
لكن، في كل عام، بل على فترة متتالية تنطلق موجات على وسائل التواصل الاجتماعي لا هدف لها إلا الهجوم على عبد الناصر وتغييب وعي الأجيال الجديدة عما فعله ناصر وإنجازاته في نقال الدولة من مرحلة الاقتصاد الزراعي إلى اقتصاد التصنيع لدرجة أن مصر كانت تصنع السيارة فيات وكانت الهند تستعين بخبرتها لتطوير صناعة سياراتها.
واتفقت مصر والهند على تصنيع الطائرات على أن تصنع مصر الموتور وهو الجزء الأهم وتصنع الهند جسم الطائرة، وهل ننسى أنه كان لدينا مفاعل نووي عام 1957 في أنشاص ولم يكتمل لظروف قاهرة ولو استمر لكان لدينا قنبلة نووية منذ الستينات.
وأقام أول وحدة عربية في الزمن الحديث مع سوريا ، وتم إفشالها بالتآمر أيضا.
إن ما يحدث مع عبد الناصر ليس غريبا، ففي كل أمة من الأمم، ثمة رموز صنعت التاريخ بعرقها، ودفعت ثمن اختياراتها من دمها ودموعها، ورغم ذلك تظل عرضة لمواسم الهجوم، التي لا تعرف توقيتًا ولا أخلاقًا.
هكذا هو الحال مع جمال عبد الناصر، الزعيم الذي ما زال، بعد مرور أكثر من نصف قرن على رحيله، يثير في القلوب العاطفة، وفي العقول الجدل، وفي الصدور الغصة.
موسم الهجوم عليه لا يخبو، بل يتجدد كلما تعثرت الأمة، وكأننا نبحث عن مشجب نعلق عليه خيباتنا.
وليس الهجوم على عبد الناصر مجرد اجتهاد سياسي أو نقد موضوعي منصف، بل هو في جوهره محاولة لاستبدال الذاكرة الجمعية للشعب المصري والعربي بذاكرة مزورة، تنكر إنجازاته وتضخم إخفاقاته، وتنتقي من التاريخ أسوأ زواياه لتنسج منه صورة مشوهة للرجل.
يتلذذ بعض "الهجّائين الجدد" بالسخرية من عبد الناصر، وكأنهم يمارسون نوعًا من التطهير الذاتي الزائف، يعوضهم عن إحساس دفين بالعجز أو التهميش، أو ربما الحنين إلى عصر التبعية والانكسار.
يدّعون أن الاقتصاد في عهده انهار، ويغفلون عمدًا أنه بنى 1200 مصنع في مختلف المجالات، من الحديد والصلب إلى الغزل والنسيج، ومن السيارات إلى الصناعات الثقيلة، جاعلًا من مصر لأول مرة في تاريخها دولة منتجة لا مجرد سوق استهلاكي.
يسخرون من قيمة الجنيه، ويتناسون أنه كان يعادل ثلاثة دولارات، وأن مصر في عهده لم تعرف الديون، بل كانت تقرض الدول العربية وتؤسس البنوك الوطنية.
يهاجمونه باعتباره "دكتاتورًا"، بينما كان الشعب في قلبه، يتحدث إليه في خطاباته، ويأخذ قراراته الكبرى بعد استفتاء جماهيري.
نعم، لم يكن مثاليًا، ولم يكن عصره خاليًا من الأخطاء، لكن من ذا الذي يحكم بلدًا خرج من قبضة الاحتلال والتخلف دون أن يشتبك مع خصوم الداخل والخارج؟ وهل الديمقراطية الغربية التي نتغنّى بها كانت لتتحمل ظرفًا تاريخيًا كالذي واجهته مصر بعد 1952؟
ثم يتهمونه أنه تخلى عن السودان، وكأنهم لم يقرأوا كيف قاوم عبد الناصر ضغوط بريطانيا لإبقاء السودان تابعًا للتاج، وأصرّ على استقلاله، التزامًا بمبادئه التحررية. يقولون إنه ترك سيناء محتلة، ويتجاهلون أنها المؤامرة متكاملة الأركان وأهم ركن فيها، الخيانة داخليا وخارجيا، وقد بدأ على الفور حرب الاستنزاف التي كانت المقدمة الحقيقية لانتصار أكتوبر.
يتجاهلون أنه بذكائه العسكري والسياسي، أعاد تنظيم الجيش، وفتح باب القيادة لأبناء الشعب، ومنح السلاح المصري كرامته، بعدما كانت مصر بلا جيش حقيقي منذ هزيمة 1948.
أما عن نكسة يونيو 1967، فهي الخنجر الذي يشهرونه في وجهه كلما أرادوا النيل منه.
لكنهم لا يذكرون "عملية اصطياد الديك الرومي"، الاسم الذي أطلقته إسرائيل وأمريكا على خطتهم للإيقاع بعبد الناصر، بالتواطؤ مع أنظمة عربية خشيت من مدّ القومية العربية، ومن وحدة الشعوب.
كانت مؤامرة مدبرة بليل، ونجحت عسكريًا، لكنها لم تهزم الإرادة، والدليل أن الرجل لم يهرب، بل واجه الجماهير، وقدم استقالته، فخرج الملايين يرفضونها، في مشهد لا يتكرر إلا مع من سكنوا قلوب شعوبهم.
من الغريب أن هذا الهجوم يأتي بعد عقود من رحيله، وكأن الأحقاد ما زالت تطارده إلى القبر.
فأي حاكم هذا الذي ما زالت صوره تُرفع في الشوارع، وتماثيله تُقبّل، وخطبه تُبث، وأحلامه بالعدل الاجتماعي والوحدة والكرامة الوطنية ما زالت تسكن وجدان البسطاء؟ لم يخرج الناس بعد وفاته احتجاجًا، بل خرجوا يبكونه، في جنازة قال عنها "هيكل: إنها استفتاء شعبي على حب الزعيم ، كان عبد الناصر استثنائيا كزعيم عالمي رفع مكانة العرب جميعا عالية في أركان الكرة الأرضية ولولا أنه كان قيمة كبيرة لما تآمروا عليه وقتلوه، عسكريا وجسديا .
إن الشعوب عادة تهاجم حكامها إذا ما أذلوها، لكن عبد الناصر كان تجسيدًا لحلم، ومشروعًا للوطنية الحقيقية.
ربما يكون أخطأ وهو يحاول البناء، لا الهدم.
وكان أسهل عليه أن يتحالف مع القواعد القديمة، مع الاستعمار، مع طبقة كبار الملاك، لكنه اختار المواجهة، فدفع الثمن غاليًا، وتعرض للتآمر من الداخل والخارج.
إن عبد الناصر لم يكن رئيس فحسب ، بل حالة استثنائية تاريخية ومشروع أمة طال حلمها به قرونا طويلة .
الهجوم عليه ليس نقدًا علميًا، بل تفريغ لحالة فقدان المعنى، في زمن طغت فيه الرداءة، وساد فيه المال، واختفى الحلم. ومن لا يرى في عبد الناصر سوى النكسة، كمن يرى البحر من حفنة طين، أو الشمس من غيمة عابرة.
لقد سعى لتوحيد الأمة في وجه الاستعمار، وجعل من مصر قبلة لحركات التحرر، ومزارًا للثوار، ومنبرًا للشعوب. وأسس حركة عدم الانحياز، وأمم قناة السويس متحديًا ثلاث دول كبرى، وانتصر على العدوان الثلاثي، وبنى السد العالي رغم أنف البنك الدولي، وواجه كل القوى الطامعة في المنطقة.
من أراد أن ينتقد عبد الناصر، فليفعل، ولكن بميزان العدل، لا ميزان الهوى.
ولينظر إلى إرثه ككل، لا إلى كبوة بسبب مؤامرة موثقة.
لأن من ينكر كل هذا، لا يمارس النقد، بل يمارس الاغتيال الرمزي.
والفرق كبير بين الحاكم الذي يجلده التاريخ، والحاكم الذي يحاول البعض أن يجلدوه، ليغسلوا خطاياهم.
إن جثمان جمال عبد الناصر مسجى في مسجد يحمل اسمه في كوبري القبة، لكنه لم يمت، هو حي في قلوبنا، قلوب الشعب العربي من الخليج إلى المحيط، قلوب الفقراء الذي كان السند لهم، قلوب الفلاحين والعمال الذي استردوا حقوقهم من الإقطاع والرأسمالية، قلوب الذين حلموا بالاستقلال عقودا طويلة وجاء ليحققه ويطهر بلاده من الاستعمار.
هو عائش في عقولنا بمشروعه القومي العروبي الوحدوي وربما يأتي يوم يظهر فيه ناصري آخر يحقق الحلم، وإلى أن يحدث ذلك سيظل عبد الناصر حي في قلوب كل من أحبهم وأحبوه لوجه الله.