غزة وبكالوريا التغيير وخناقة «إنجي» و«علي»
درجة الحرارة رهيبة. القدرة على عدم النزول من البيت رفاهية. يجب النظر إلى أولئك الذين تضطرهم ظروف عملهم لا للنزول من البيت، بل للوقوف فى عز «نقرة الشمس» وصهد الظل كأبطال. هؤلاء يحتاجون قدراً مُعتبراً من الدعم المعرفى عن ضربات الشمس والإجهاد الحرارى. هذه ليست رفاهية، واتخاذ بعض الخطوات القادرة على حمايتهم، وعلى تقليل الإصابات، وبعضها مميت، واجب ومسئولية.
مشهد الأطفال العاملين فى الحدائق العامة فى عز الظهر وفى «الدليفرى» وفى غيرها من المهن التى يعتبرها البعض «خفيفة» مرعب.
وإذا كانت هناك توليفة من العوامل الاقتصادية التى تجعل الحديث عن عمالة الأطفال الآن فى غير توقيته ومحله، فعلى الأقل يتم العمل على توفير بيئة أكثر أمناً لهذه الأرواح الصغيرة.
زمن غريب جداً هذا الذى يجعل الحديث عن ظروف عمل قاسية فى درجات حرارة بالغة الارتفاع رفاهية، مقارنة بهذا المشهد الذى أمتنع عن سبغه بنعوت وأوصاف الدائرة رحاه فى غزة.
التجويع سلاح حرمته وجرمته المواثيق الدولية والقوانين الدولية، لكن جميعنا يعلم أن ما كنا نعتبره ونعتقده قوانين حاكمة للجميع على ظهر هذا الكوكب لم يعد كذلك. والتقارير والشهادات التى ترد من منظمات أممية حول الوضع فى داخل غزة، مثل منظمة الصحة العالمية و«يونيسيف» (المعنية بالطفولة) و«أونروا» (المعنية بغوث وتشغيل لاجئى فلسطين) و«أوتشا» وغيرها، تؤكد أن وضع الجوع فى غزة كارثى، وهى لا تجامل طرفاً على حساب آخر، أو تكذب لترجيح كفة هذا ضد ذاك، لكن جميعنا يعلم أيضاً أن المنظمات الأممية «اللى فيها مكفيها» من نقص تمويل وتوجيه اتهامات لها بالتحيّز، والاصطفاف وراء، والمحاباة لـ«حماس» وغيرها، ورغم ذلك تظل أدوارها فى تقديم ما يتيسر تقديمه من دعم، وتوصيل معاناة أهل غزة إلى العالم عبر التقارير والشهادات بالغة الأهمية.
وعلى ذكر الشهادات، أقول إنه ضمن الأسباب الرئيسية فى أن أغلب التعديلات والتغييرات التى يتم الإعلان عنها من قِبل وزارة التربية والتعليم والتعليم الفنى تلقى قلقاً، وخوفاً، وتوجّساً، وأحياناً رفضاً ومقاومة شديدين، هى ميراث يخبرنا الكثير من التعديلات ترحل مع رحيل المسئول الذى طبّقها، أو الذى طُبّقت فى عهده. شعور عام يتملك كثيرين من أولياء الأمور بأن التعديل أو التغيير فى منظومة التعليم يرتبط باسم الوزير، أى وزير، وأن رحيل الوزير من المنصب يعنى استبداله بتعديل آخر، أو العودة إلى النظام القديم، أو تركه لتأكله عوامل التعرية ويتبخّر فى الهواء وحده. ويُضاف إلى ذلك ترسّخ منظومة المقاومة الشعبية لأى تعديل أو تغيير، رغم أن هذه المنظومة نفسها هى التى تطالب طوال الوقت بالإصلاح والتغيير. ولا يمكن إغفال قوة وأثر الـ«سوشيال ميديا»، حيث أم واحدة فى «جروب الماميز» أو أب واحد على صفحة «أولياء أمور من أجل الإصلاح» (اسم تخيلى) قادر على أن يكون زعيماً للمعارضة والرفض بدقة زر، وبتدوينات نارية، ومحفّزات أدرينالين عبر المفردات والمصطلحات.
نظام البكالوريا، أو غيره من الأنظمة التى تطمح إلى الإصلاح، وعلى رأس الإصلاح إنهاء أسطورة البُعبع والوحش المفترس المسمّى «الثانوية العامة»، يحتاج إلى تشبيك أصحاب المصلحة فى حوار ونقاش مستمرين: الأهل والطلاب والمعلمون ومن ينوب عن الوزارة، لا للخناق والعراك، ولكن للوصول إلى مصلحة الطلاب والطالبات المستدامة، لا المتغيرة بتغيير المسئولين.
وما دُمنا تطرّقنا إلى الخناق والعراك، فإن ذكرى ثورة 23 يوليو تحولت فى السنوات القليلة الماضية إلى مناسبة، لا لإعادة قراءة التاريخ، والإقرار بمميزات هنا وأضرار هناك، وفهم جوانب من الحاضر بناءً على الماضى، ولكن لشد الشعر والمعايرة والتنابز بين فريقى «إنجى» و«على».
المؤكد أن النقاش والاختلاف مطلوبان، ولكن قليلاً من العمق مطلوب أيضاً، وكذلك بعض من استخدام الماضى للبناء للمستقبل، بدلاً من الإغراق فى الماضى لا لشىء إلا لإثبات خطأ «إنجى» أو روعة «على» كل عام، مطلوب أيضاً.
وفى ضوء ما سبق، أتساءل: كيف ومتى نما فى وادينا الطيب هذا الكم من خبراء ومدربى التنمية البشرية، حتى كادت أعدادهم تفوق أعداد البشرية نفسها، وفى الوقت نفسه، نظرة واحدة بالعين المجرّدة تشى بالحاجة الشديدة إلى تنمية ثقافية وحوارية وفكرية وسلوكية؟!