عبدالله مجدي يكتب: ناصر.. الرجل الذي تحدّى العالم واستعاد القناة

كاتب صحفي

في مساءٍ ثقيل من مساءات يوليو، كانت مصر كلها تترقب.. البيوت مزدحمة، والمقاهي مكتظة، والقلوب مُعلقة بمذياع وحيد يتوسط الغرفة كأنه نافذة تطل على مصير وطن.. الجميع يجلس في صمت ثقيل، لا يُسمع سوى همسات خافتة للأنفاس المتقطعة التي تتابع الخطاب المُنتظر للرئيس.. الأطفال في زوايا الغرف، الكبار يحدقون في المذياع بوجوه متوترة.. رائحة الشاي والعرق والمجهول تتداخل في الهواء، والوقت يتباطأ كأنه ينتظر هو الآخر ما سيُقال.

ثم بدأ الصوت.. صوت جمال عبد الناصر، العميق، المميز، الذي لا يحتاج إلى مقدمات ليُعلن حضوره، لم يكن يُلقي خطابًا، بل كان يقود شعبًا نحو نقطة فاصلة في تاريخه، في تلك اللحظة، لم تكن كلماته مجرد تصريحات، بل كانت أوامر حياة أو موت.

من مدينة الإسكندرية التي أحبها، ووسط بحر من الجماهير التي تنتظره في شغف وترقب، وقف عبدالناصر على تلك المنصة التي يعرفها جيدًا، اعتاد أن يواجه منها شعبه ويخاطب العالم، لا يحمل ورقة يُقرأ منها بقدر ما كان يحمل قناعة راسخة تشعّ من عينيه.. كانت ملامحه حادة، كتلك القرارات التي ما اعتاد أن يتراجع عنها، جسده مشدود، صوته عميق لا يرتعش، ونظراته كأنها تخترق الأفق.

وحين نطق الجملة التي دوّت في العالم كله: «قرار من رئيس الجمهورية بتأميم الشركة العالمية لقنال السويس البحرية».

لم تكن مجرد إعلان قرار.. كانت طلقة، ضربة، إعلان استقلال حقيقي عن قرونٍ من الهيمنة الأجنبية، لم يصفق الجمهور فقط، بل اهتزّ وجدانه. شعر الناس أن بلدهم استعاد شيئًا مقدسًا، شيئًا سُرق منهم طويلًا وأخيرًا عاد إلى حضنهم.

ولم يكن عبد الناصر، وهو يُلقي ذلك القرار الجسور، رجلًا يُحب المجازفة من أجل البطولة الفارغة، بل كان يرى أمامه مصر الحقيقية: بلدًا فقيرًا، يعمل أهله ويُحرمون من عائد تعبهم، بلدًا يُدار شريانه الأهم – قناة السويس – من مكاتب في باريس ولندن.. رأى الظلم، وقرر أن يرفعه.. رأى الفرصة، وقرر أن يخطفها.. رأى أن مصر لن تكون مستقلة حقًا ما دامت مواردها في أيدٍ أجنبية، وأن الكرامة الوطنية لا تُشترى، بل تُنتزع.

كان يعرف أنه بقراره ذاك يتحدى قوى كبرى لا ترحم، وأن العدوان ربما يكون قاب قوسين، لكن الرجل الذي خرج من شوارع باكوس في الإسكندرية، لم يتعوّد أن ينحني.

لم يكن يملك إلا إيمانه بشعبه، وبحق بلاده في أن تملك قرارها وممرّها، فمضى في الطريق الأصعب، وهو يعلم أن الهزيمة المحتملة أشرف من الركوع المؤكد.

عبد الناصر لم يؤمّم قناة فحسب، بل أمم كرامة وطن بأكمله، ووهب المصريين لحظة نادرة شعروا فيها أن صوتهم صار يُسمع، وأن بلدهم لا يُدار من الخارج بعد اليوم، في ذلك الخطاب، انكسر حاجز الخوف، وتبدّلت ملامح التاريخ، لا لأن الكلمات كانت قوية، بل لأن من قالها كان مؤمنًا بها حتى النخاع.

واليوم، وبعد مرور 69 عامًا على ذلك القرار الجسور، ما زال صداه يتردّد في الوجدان كما لو كان حديث الساعة. كأن الزمن لم يمر، وكأن صوت عبد الناصر لا يزال يشقّ سكون المساء، يحمل نفس العمق، ونفس اليقين، ونفس الرجفة التي حرّكت ملايين القلوب آنذاك. ليس مجرد خطاب، بل لحظة محفورة في ذاكرة وطن، لحظة لا تشيخ، لا تبهت، ولا تموت، لأن ما قيل فيها لم يكن كلمات، بل وعدًا، وقَسَمًا، وصرخة استقلالٍ لا تزال تلهب الأرواح كلما مرّ عليها التاريخ.

ومنذ ذلك اليوم، لم يعد ناصر مجرد رئيس.. بل صار - كما أحب المصريون أن يروه - تجسيدًا لوطنٍ قرر أخيرًا أن ينهض.