التعليم.. وقيادة الشعب
ظل التعليم مجانياً فى عصر خلفاء محمد على، فعلى مدار ست سنوات حكم فيها الوالى عباس حلمى الأول (1848 - 1854) ظل التعليم مجانياً، وإن لم يهتم الوالى الجديد بالمدارس، بالدرجة التى اهتم بها جده الوالى الكبير، وقد أغلقت فى عصره بعض المدارس العليا، وأبرزها مدرسة الألسن. وخلال عصر الوالى سعيد بن محمد على الذى حكم مصر مدة 9 سنوات (1854- 1863) واصلت السلطة الإنفاق على التعليم وعلى المتعلمين بالمدارس، لكنه اتبع نهج سلفه فى إغلاق بعض المدارس، كما أغلق ديوان المدارس، توفيراً للنفقات.
وحقيقة الأمر أن تاريخ هذين الرجلين -عباس وسعيد- بحاجة إلى مراجعة وإعادة نظر، خصوصاً على مستوى موقفهما من التعليم، لأن صورتهما على هذا المستوى لا تخلو -فى ظنى- من المبالغات. فالرجلان أغلقا عدداً من المدارس العليا، لكنهم احتفظوا بأغلب المدارس التجهيزية والابتدائية التى أنشأها الوالى محمد على، وظلت تستقبل التلاميذ من أبناء المصريين وتعلمهم بالمجان. وقد اعتمدت المدارس العليا (الكليات) فى إدارتها أيام عباس وسعيد على المصريين العائدين من البعثات، مثل رفاعة رافع الطهطاوى، بالإضافة إلى خبراء أجانب، كان أغلبهم من الفرنسيين، الذين كان يفضل الوالى الكبير محمد على الاعتماد عليهم فى إدارة التعليم العالى بمصر، وقد كان لعباس حلمى موقف سلبى من الفرنسيين، وقد لا نبالغ إذا قلنا إن ثمة موقفاً سلبياً أيضاً تبناه الاثنان من مشروع النهضة الذى تبناه محمد على، إذ رأى كلاهما أنه مشروع فردى للوالى الكبير، تحطم بعد إبرام معاهدة لندن 1840 التى أدت إلى انكماش الإمبراطورية التى أسسها محمد على فى كل من مصر والسودان، واستعادت الدولة العثمانية باقى الأراضى التى سبق أن سيطر عليها الوالى.
هناك مقولة رائجة تنسب إلى سعيد باشا، الذى تولى حكم مصر بعد «عباس الأول»، يقول فيها إن «قيادة شعب جاهل أسلس من قيادة شعب متعلم»، يستند إليها البعض وهو يحكى مروية تراجع التعليم فى عهده، إذ كان يرى فيه أداة لتثوير الشعب وتحريضه على التمرد ضد «أفنديهم» الحاكم، وظنى أن هذا الكلام يستحق المراجعة، وعلى من يؤمن به أن يأتى لنا من أحداث فترة حكم «سعيد» أو «عباس» بأية مؤشرات على حركات تململ أو رغبة فى الثورة من جانب الشعب، تبرر المقولة التى يزعم البعض أن «سعيد» تبناها وربط فيها بين التعليم وتمرد الشعوب، إنك يمكن أن تجد فى عصر محمد على العديد من المؤشرات على ضجر الشعب من بعض القرارات التى اتخذها، ومن الصعب أن تجد ذلك فى عصر «سعيد»، الرجل الذى يوصف فى التاريخ بأنه أحب الفلاح المصرى ومنحه حق تملك الأراضى، وأحب النفر المصرى ومنحه حق الترقى داخل جيش الوالى، وأحب المواطن المصرى وخفض الضرائب عليه، وقرر الحق فى المعاش للموظفين.
التعليم فى عصر سعيد باشا انكمش، هذه حقيقة لا ريب فيها، لكنه لم يتوقف، كما أن السلطة لم تتوقف عن تمويله وإتاحته بالمجان لمن يرغب من أولاد الأسر المصرية.