أشرف غريب يكتب: الوثائقية المصرية.. شكرا
حتى تسعينات القرن الماضى كانت هناك من بين إدارات اتحاد الإذاعة والتليفزيون (الهيئة الوطنية للإعلام حالياً) إدارة اسمها «أفلام التليفزيون»، كانت مسئولة عن تنفيذ مجموعة من الأفلام الروائية الطويلة مثل: أنا لا أكذب ولكنى أتجمل، أيوب، الحب أيضاً يموت، محاكمة على بابا، فوزية البرجوازية، الوزير جاى، وغيرها، فضلاً عن المسلسلات الفيلمية التى كان أشهرها: الدوامة، الشاطئ المهجور، قصيرة قصيرة الحياة، الأفعى، وغيرها، وبخلاف هذه الأفلام والمسلسلات المصورة بتقنيات السينما، والتى قام عليها نخبة ممتازة من السينمائيين وأبناء ماسبيرو، كانت إدارة أفلام التليفزيون مسئولة كذلك عن إنتاج الأفلام التسجيلية والوثائقية، وهذه الإدارة هى التى قدمت لنا روائع أفلام مساجد مصر والقصور الجمهورية، والحرف اليدوية والشخصيات ذات التأثير فى الحياة المصرية، ومع إعادة هيكلة قطاعات اتحاد الإذاعة والتليفزيون أكثر من مرة اختفت فجأة تلك الإدارة، واختفت معها الأفلام التسجيلية والوثائقية التى كانت تنتجها، ولم يعد اتحاد الإذاعة والتليفزيون يقدم لنا هذه الخدمة الثقافية المهمة إلا بشىء من التواضع، من خلال إدارة الإنتاج المتميز التى توقفت هى الأخرى أو كادت عن القيام بهذه المهمة.
وهكذا تركت مصر الساحة العربية بدون هذه النوعية من الأفلام، وهو الفراغ الذى حاولت أن تملأه قنوات وثائقية عربية مستحدثة، ورغم أن معظم الكوادر التى أسهمت فى هذا المجال عبر تلك القنوات العربية كانت مصرية، وكذلك الأفكار والمحتوى والضيوف، إلا أن المشكلة تمثلت فى أن هذه الأفلام الوثائقية كانت تعبر عن توجهات الجهات التى قامت بإنتاجها، بل وكثيراً ما كانت تلك الجهات تقوم بتسييس المحتوى لخدمة توجهاتها.
ومن هنا كانت أهمية القرار الذى اتخذته الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية بإنشاء القناة الوثائقية المصرية، التى بدأ بثها فى فبراير 2023، لتعيد التوازن المفقود وتسد الفراغ الحادث فى ساحة الفيلم الوثائقى العربى، وتعبر عن صوت مصر فى هذا المجال، الذى ظل خافتاً لسنوات بفعل سطوة فضائات وثائقية أخرى، وحتى تكون هذه القناة بمثابة الذاكرة البصرية أولاً لكل ما يتعلق بالتاريخ المصرى قديمه وحديثه، دون أن تغفل عن الثقافة الإنسانية بمفهومها الأكثر شمولاً واتساعاً، وقد أسعدنى الحظ أن كنت ضيفاً متحدثاً فى بعض تلك الأفلام، ولمست عن قرب الطاقات الفنية المتميزة التى تتصدى لهذه المهمة، تحت إدارة واعية بالدور الذى من أجله تم استحداث تلك القناة ذات الطبيعة الخاصة جداً.
وما دعانى لكتابة هذه السطور أننى شاهدت مؤخراً الفيلم الوثائقى، الذى أنتجته الوثائقية المصرية عن كوكب الشرق أم كلثوم تحت عنوان «الست والوطن»، وهو عمل أنضجته إدارة الإنتاج الوثائقى بالشركة المتحدة والقناة الوثائقية المصرية على نار من المحبة والتقدير لشخص سيدة الغناء العربى ومكانتها الكبيرة فى ضمير ووجدان كل عربى، فقد جاء الفيلم أكثر رصانة واحتراماً لتاريخ هذه السيدة التى وظفت صوتها وفنها لخدمة قضايا أمتها، وأزال تلك الغصة التى أصابت كل عشاق كوكب الشرق من وراء الفيلم الوثائقى الآخر الذى أنتجته إحدى الفضائيات العربية المتخصصة عن أم كلثوم، بكل ما حمله من خفة وسوء تقدير لقيمة سيدة الغناء العربى، على النحو الذى جاء على لسان المتحدثين بهذا الفيلم، الذى تم إنتاجه بعيداً عن مصر، ورغم المستوى اللائق الذى ظهر به فيلم الوثائقية المصرية، فإن الأمر لا يخلو من بعض التحفظ على معلومات غير دقيقة، ووقائع مختلقة وردت بالفيلم، وأسماء متحدثين ليسوا ذوى صلة فعلية بالموضوع، أو على الأقل ليسوا هم الأنسب، فقد كنت أتصور -على سبيل المثال- أن فيلماً عن أم كلثوم عنوانه «الست والوطن» يعطى جل اهتمامه للدور البارز الذى لعبته كوكب الشرق فى مناصرة قضايا أمتها، لا بد وأن يكون أول المتحدثين فيه الباحث الشاب كريم جمال صاحب كتاب «أم كلثوم وسنوات المجهود الحربى»، الذى منحته عنه الدولة جائزتها التشجيعية، متمثلة فى وزارة الثقافة المصرية، فهو الكتاب الذى سجل بكل دأب ودقة وإخلاص كيف كرست هذه السيدة صوتها وموهبتها لخدمة الوطن، خصوصاً فى ظروف تاريخية خانقة لم تعرف لها مصر مثيلاً فى أعقاب هزيمة يونيو 1967، وهو الدور الذى بسببه منحتها مصر جواز سفر دبلوماسياً كانت تستقبل بموجبه استقبالاً رسمياً فى كل الدول العربية والأجنبية التى زارتها من أجل الغناء فيها لصالح المجهود الحربى.
فكل الشكر والتقدير للشركة المتحدة للخدمات الإعلامية وللوثائقية المصرية على الدور الوطنى المهم فى الحفاظ على هويتنا المصرية، والإبقاء على ذاكرتنا الثقافية منتعشة دائماً، وربط الأجيال الحالية بتاريخنا الناصع وبرموزه البارزة، التى ستبقى عبر الزمن قدوة فى الانتماء ونموذجاً للعطاء لمصرنا العزيزة.